متراسلة أصدع للقلوب وأردع ، وكان إيضاح المشكلات ، في الفرق بين الملتبسات ، أعون بما يكون علة ، عبر بما يدل على الفرق وقدمه فقال :
نَزَّلَ الْفُرْقانَ
أي الكتاب الذي نزل إلى سماء الدنيا فكان كتابا ، ثم نزل مفرقا بحسب المصالح ، فسمي لذلك فرقانا ، ولأنه الفارق بين كل ملتبس ، فلا يدع خفاء إلا بينه ، ولاحقا إلا أثبته ، ولا باطلا إلا نفاه ومحقه ، فيه انتظام الحياة الأولى والأخرى ، فكان قاطعا على علم منزله ، ومن علمه الباهر إنزاله
عَلى عَبْدِهِ
أي الذي لا أحق منه بإضافته إلى ضميره الشريف ، لأنه خالص له ، لا شائبة لغيره فيه أصلا ، ولم يحز مخلوق ما حاز من طهارة الشيم ، وارتفاع الهمم ، ولا شك أن الرسول دال على مرسله في مقدار علمه ، وكثرة جنده ، واتساع ملكه
اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ
رسالاته [ الأنعام : 124 ] ثم علل إنزاله عليه بقوله :
لِيَكُونَ
أي العبد أو الفرقان .
ولما كان العالم ما سوى اللّه ، وكان ربما ادعى مدع أن المراد البعض ، لأنه قد يطلق اللفظ على جزء معناه بدلالة التضمن ، وكان الجمع لا بد أن يفيد ما أفاده المفرد بزيادة ، جمع ليعرف أن المراد المدلول المطابقي ، مع التصريح باستغراق جميع الأنواع الداخلة تحت مفهوم المفرد ، واختار جمع العقلاء تغليبا ، إعلاما بأنهم المقصودون بالذات فقال :
لِلْعالَمِينَ
أي المكلفين كلهم من الجن والإنس والملائكة .
ولما كان كل من الكتاب والمنزل عليه بالغا في معناه ، عبر بما يصح أن يراد به المنذر والإنذار على وجه المبالغة فقال :
نَذِيراً *
أي وبشيرا ، وإنما اقتصر على النذارة للإشارة إلى البشارة بلفظ
تَبارَكَ
ولأن المقام لها ، لما ختم به تلك من إعراض المتولين عن الأحكام ، ونفى الإيمان عنهم بانتفاء الإسلام ، وفيه إشارة إلى كثرة المستحقين للنذارة ، ولا التفات إلى من قال : إن الرازي والبرهان النسفي نقلا الإجماع على أنه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يرسل إلى الملائكة ، فإن عبارة الرازي في بعض نسخ تفسيره : لكنا أجمعنا على أنه لم يرسل إلى الملائكة ، وفي أكثر النسخ : بينا - بدل : أجمعنا ، على أنه لو اتفقت جميع النسخ عليها لم تضر ، لأنها غير صريحة في إرادة الإجماع ، ولأن الإجماع لا يثبت بنقل واحد لا سيما في مثل هذا الذي تظافرت الظواهر على خلافه ، ولم يرد مانع منه ، وأما البرهان النسفي فمن الرازي أخذ ، وعبر بعبارته ، فصارا واحدا ، وقد بينت ذلك عند قوله تعالى في سورة الأنعام
لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ
[ الأنعام : 19 ] بيانا شافيا لا ارتياب معه ، بل ولو قيل : إن الآية على ظاهرها ، لا خصوص فيها بالعقلاء ، وتكليف كل شيء بحسبه ، لكان وجها ، وبذلك صرح الإمام تاج الدين السبكي في أول الترشيح في قوله : « وأصلي على نبيه محمد المصطفى المبعوث إلى كل