فيعرف أنه يستأذن فيأذن لمن شاء ، قال مجاهد : وإذن الإمام يوم الجمعة أن يشير بيده ، وقيل : كذلك ينبغي أن يكون الناس مع أئمتهم ومقدميهم في الدين والعلم لا يخذلونهم في نازلة من النوازل .
ولما أثبت له بهذا التفويض من الشرف ما لا يبلغ وصفه ، أفهمهم أن حال المستأذن قاصرة عن حال المفوض الملازم كيفما كانت ، فقال :
وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ
أي الذي له الغنى المطلق ، فلا تنفعه طاعة ، ولا تضره معصية ، أو يكون الكلام شاملا لمن صحت دعواه وغيره ؛ ثم علل ذلك ترغيبا في الاستغفار ، وتطييبا لقلوب أهل الأوزار ، بقوله :
إِنَّ اللَّهَ
أي الذي له صفات الكمال
غَفُورٌ
أي له هذا الوصف فهو جدير بأن يغفر لهم ما قصروا فيه
رَحِيمٌ *
أي فكل ما أمرهم به فهو خير لهم وإن تراءى لهم خلافه .
ولما أظهرت هذه السورة بعمومها ، وهذه الآيات بخصوصها ، من شرف الرسول ما بهر العقول ، لأجل ما وقع للمنافق من التجرؤ على ذلك الجناب الأشم ، والمنصب الأتم ، وعلم منه أن له صلّى اللّه عليه وسلّم في كل أمره وجميع شأنه خصوصية ليست لغيره ، صرح بذلك تفخيما للشأن ، وتعظيما للمقام ، ليتأدب من ناضل عن المنافق ، أو توانى في أمره فقصر عن مدى أهل السوابق ، فقال منبها على أن المصائب سبب لإظهار المناقب أو إشهار المعايب
لا تَجْعَلُوا
أي يا أيها الذين آمنوا
دُعاءَ الرَّسُولِ
أي لكم الذي يوقعه
بَيْنَكُمْ
ولو على سبيل العموم ، في وجوب الامتثال
كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً
فإن أمره عظيم ، ومخالفته استحلالا كفر ، ولا تجعلوا أيضا دعاءكم إياه كدعاء بعضكم لبعض بمجرد الاسم ، بل تأدبوا معه بالتفخيم والتبجيل والتعظيم كما سن اللّه بنحو : يا أيها النبي ، ويا أيها الرسول ، مع إظهار الأدب في هيئة القول والفعل بخفض الصوت والتواضع .
ولما كان بعضهم يظهر المؤالفة ، ويبطن المخالفة ، حذر من ذلك بشمول علمه وتمام قدرته ، فقال معللا مؤكدا محققا معلما بتجديد تعليق العلم الشهودي كلما جدد أحد خيانة لدوام اتصافه بإحاطة العلم من غير نظر إلى زمان :
قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ
أي الحائز لجميع صفات المجد إن ظننتم أن ما تفعلونه من التستر يخفي أمركم على رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، فهو سبحانه يعلم
الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ
وعين أهل التوبيخ بقوله :
مِنْكُمْ
أي يتكلفون سلّ أنفسهم ليجعلوا ذهابهم في غاية الخفاء
لِواذاً
أي تسللا مستخفين به بتستر بعضهم فيه ببعض ؛ يقال : لاذ بالشيء لوذا ولواذا وملاوذة : استتر وتحصن ، فهو مصدر لتسلل من غير لفظه ، ولعله أدخل « قد » على المضارع ليزيد أهل التحقيق تحقيقا ، ويفتح