وكان أمر الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أجلّ موطن تجب الإقامة فيه ويهجر ما عداه من الأوطان ، فتصير الأرض برحبها ضيقة لأجله ، محظورا سلوكها من جرّاه ، بمنزلة بيت الغير الذي لا يحل دخوله بغير إذن ، قال معرفا بذلك على طريق الحصر مقابلا لسلب
وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ
[ المائدة : 43 ] مبينا عظيم الجناية في الذهاب عن مجلس النبي صلّى اللّه عليه وسلّم المقتضي للجمع من غير إذن :
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ
أي الكاملون الذين لهم الفلاح
الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ
أي الملك الأعلى
وَرَسُولِهِ
ظاهرا وباطنا .
ولما كان الكلام في الراسخين ، كان الموضع لأداة التحقيق فقال :
وَإِذا
أي وصدقوا إيمانهم بأنهم إذا
كانُوا مَعَهُ
أي الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم
عَلى أَمْرٍ جامِعٍ
أي لهم على اللّه ، كالجهاد لأعداء اللّه ، والتشاور في مهم ، وصلاة الجمعة ، ونحو ذلك
لَمْ يَذْهَبُوا
عن ذلك الأمر خطوة إلى موضع من الأرض ولو أنه بيوتهم ، لشيء من الأشياء ولو أنه أهم مهماتهم ، لأنه أخذ عليهم الميثاق بالطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره
حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ
فيأذن لهم ، لأن المأمور به قد صار منزلهم ومأواهم ومتبوأهم ، وصار كل ما سواه من الأماكن والأمور له عليه الصلاة والسّلام دونهم ، لاحظ لهم فيه ، فلا يحل لهم أن يدخلوه حسا أو معنى إلا بإذنه ، وهذا من عظيم التنبيه على عليّ أمره ، وشريف قدره ، وذلك أنه سبحانه كما أمرهم بالاستئذان عند الدخول عليه وعلى غيره ، أفرده بأمرهم باستئذانه عند الانصراف عنه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وجعل رتبة ذلك تالية لرتبة الإيمان باللّه والرسول ، وجعلهما كالتسبيب له مع تصدير الجملة بأداة الحصر ، وإيقاع المؤمنين في مبتدأ مخبرا عنه بموصول أحاطت وصلته بالرتب الثلاث شرحا له .
ولما نفى عن المؤمنين الذهاب إلى غاية الاستئذان ، فأفهم أن المستأذن مؤمن ، صرح بهذا المفهوم ليكون آكد ، فقال تشديدا في الإخلال بالأدب بين يديه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وتأكيدا لحفظ حرمته والأدب معه لئلا يتشوش فكره في أسلوب آخر ، وبيانا لأن الاستئذان مصداق الإيمان :
إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ
أي يطلبون إذنك لهم إذا أرادوا الانصراف ، في شيء من أمورهم التي يحتمل أن تمنع منها
أُولئِكَ
العالو الرتبة خاصة
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ
أي يوجدون الإيمان في كل وقت
بِاللَّهِ
الذي له الأمر كله فلا كفوء له
وَرَسُولِهِ
وذلك ناظم لأشتات خصال الإيمان .
ولما قصرهم على الاستئذان ، تسبب عن ذلك إعلامه صلّى اللّه عليه وسلّم بما يفعل إذ ذاك فقال :
فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ
أي هؤلاء الذين صحت دعواهم ؛ وشدد عليهم تأكيدا لتعظيم الأدب معه صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله :
لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ
وهو ما تشتد الحاجة إليه
فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ
قيل : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا صعد المنبر يوم الجمعة فمن أراد أن يخرج لعذر قام بحياله