شرع ذلك إلا رحمة للناس عموما وللزانيين خصوصا ، فمن نقص سوطا فقد ادعى أنه أرحم منه ، ومن زاد سوطا فقد ظن أنه أحكم وأعظم منه .
ولما ذكر بالإيمان الذي من شرطه التزام الأحكام ، وكان الرجاء غالبا على الإنسان ، أتبعه ما يرهبه فقال :
وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
الذي يحاسب فيه على النقير والقطمير والخفي والجلي . ولما كان الخزي والفضيحة أعظم عند بعض الناس من ضرب السيف فضلا عن ضرب السوط قال :
وَلْيَشْهَدْ
أي يحضر حضورا تاما
عَذابَهُما طائِفَةٌ
أي جماعة يمكن إطافتها أي تحلقها وحفوفها بكل منهما
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ *
العريقين إشهارا لأمرهما نكالا لهما ، وعن نصر بن علقمة أن ذلك ليدعى لهما بالتوبة والرحمة . وفي كل هذا إشارة ظاهرة إلى أن إقامة الحدود والغلظة فيها من رحمته سبحانه المشار إليها بقوله
وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ
[ المؤمنون : 118 ] .
[ سورة النور ( 24 ) : آية 3 ]
الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلاَّ زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلاَّ زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ( 3 )
ولما كان في ذلك من الغلظة على الزاني لما ارتكب من الحرام المتصف بالعار ما يفهم مجانبته ، صرح به ، مانعا من نكاح المتصف بالزنى من ذكر وأنثى ، إعلاما بأن وطء من اتصف به من رجل أو امرأة لا يكون إلا زنى وإن كان بعقد ، فقال وأصلا له بما قبله :
الزَّانِي لا يَنْكِحُ
أي لا يتزوج
إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً
أي المعلوم اتصافه بالزنى مقصور نكاحه على زانية أو مشركة ، وذلك محرم ، فهذا تنفير للمسلمة عن نكاح المتصف بالزنى حيث سويت بالمشركة إن عاشرته ، وذلك يرجع إلى أن من نكحت زانيا فهي زانية أو مشركة ، أي فهي مثله أو شر منه ، ولو اقتصر على ذلك لم يكن منع من أن ينكح العفيف الزانية ، فقال تعالى مانعا من ذلك :
وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها
أي لا يتزوجها
إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ
أي والمعلوم اتصافها بالزنى مقصور نكاحها على زان أو مشرك ، وذلك محرم فهو تنفير للمسلم أن يتزوج من اتصفت بالزنى حيث سوى في ذلك بالمشرك ، وهو يرجع إلى أن من نكح زانية فهو زان أو مشرك ، أي فهو مثلها أو شر منها ، وأسند النكاح في الموضعين إلى الرجل تنبيها إلى أن النساء لا حق لهن في مباشرة العقد ؛ ثم صرح بما أفهمه صدر الآية بقوله مبنيا للمفعول لأن ذلك يكفي المؤمن الذي الخطاب معه :
وَحُرِّمَ ذلِكَ
أي نكاح الزاني والزانية تحريما لا مثنوية فيه
عَلَى الْمُؤْمِنِينَ *
وعلم من هذا أن ذكر المشرك والمشركة لزيادة التنفير ، ثم إن هذا الحكم فسخ كما قال إمامنا الشافعي رحمه اللّه موافقة لابن المسيب بقوله تعالى
وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ
[ النور :
32 ] وهو جمع أيم وهو من لا زوج له من الذكور والإناث ، فأحل للزاني أن ينكح من