ولما كان معنى الاستفهام الإنكاري النفي ، حسن بعده كل الحسن قوله :
بَلْ
وعدل إلى أسلوب الغيبة للإيذان بالغضب بقوله :
قالُوا
أي هؤلاء العرب
مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ *
من قوم نوح ومن بعده ؛ ثم استأنف قوله :
قالُوا
أي منكرين للبعث متعجبين من أمره :
أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا
أي بالبلى بعد الموت
تُراباً وَعِظاماً
نخرة ، ثم أكدوا الإنكار بقولهم :
أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ *
أي من باعث ما .
ولما كان محط العناية في هذه السورة الخلق والإيجاد ، والتهديد لأهل العناد ، حكى عنهم أنهم قالوا :
لَقَدْ وُعِدْنا
مقدما قولهم :
نَحْنُ وَآباؤُنا
على قولهم :
هذا
أي البعث
مِنْ قَبْلُ
بخلاف النمل ، فإن محط العناية فيها الإيمان بالآخرة فلذلك قدم قوله « هذا » ، والمراد وعد آبائهم على ألسنة من أتاهم من الرسل غير أن الإخبار بشموله جعله وعدا للكل على حد سواء ، ثم استأنفوا قولهم :
إِنْ
أي ما
هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ *
أي كذب لا حقيقة له ، لأن ذلك معنى الإنكار المؤكد .
ولما أنكروا البعث هذا الإنكار المؤكد ، ونفوه هذا النفي المحتم ، أمره أن يقررهم بأشياء هم بها مقرون ، ولها عارفون ، يلزمهم من تسليمها الإقرار بالبعث قطعا ، فقال :
قُلْ
أي مجيبا لإنكارهم البعث ملزما لهم :
لِمَنِ الْأَرْضُ
أي على سعتها وكثرة عجائبها
وَمَنْ فِيها
على كثرتهم واختلافهم
إِنْ كُنْتُمْ
أي بما هو كالجبلة لكم
تَعْلَمُونَ *
أي أهلا للعلم ، وكأنه تنبيه لهم على أنهم أنكروا شيئا لا ينكره عاقل .
ولما كانوا مقرين بذلك ، أخبر عن جوابهم قبل جوابهم ، ليكون من دلائل النبوة وأعلام الرسالة بقوله استئنافا :
سَيَقُولُونَ
أي قطعا : ذلك كله
لِلَّهِ
أي المختص بصفات الكمال . ولما كان ذلك دالّا على الوحدانية والتفرد بتمام القدرة من وجهين :
كون ذلك كله له ، وكونه يخبر عن عدوه بشيء فلا يمكنه التخلف عنه ، قال :
قُلْ
أي لهم إذا قالوا لك ذلك منكرا عليهم تسبيبه لعدم تذكرهم ولو على أدنى الوجوه بما أشار إليه الإدغام :
أَ فَلا تَذَكَّرُونَ *
أي بذلك المركوز في طباعكم المقطوع به عندكم ، ما غفلتم عنه من تمام قدرته وباهر عظمته ، فتصدقوا ما أخبر به من البعث الذي هو دون ذلك ، وتعلموا أنه لا يصلح شيء منها - وهو ملكه - أن يكون شريكا له ولا ولدا ، وتعلموا أنه لا يصح في الحكمة أصلا أنه يترك البعث لأن أقلكم لا يرضى بترك حساب عبيده والعدل بينهم .
ولما ذكرهم بالعالم السفلي لقربه ، تلاه بالعلوي لأنه أعظم فقال على ذلك المنوال مرقيا لهم إليه :
قُلْ مَنْ رَبُّ
أي خالق ومدبر
السَّماواتِ السَّبْعِ
كما تشاهدون من حركاتها وسير نجومها
وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ *
الذي أنتم به معترفون
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ