فؤاد ، وهو القلب لتوقده وتحرقه ، من التفؤد وهو التحرق ، وعبر به هنا لأن السياق للاتعاظ والاعتبار ، وجمعه جمع القلة إشارة إلى عزة من هو بهذه الصفة ، ولعله جمع الأبصار كذلك لاحتمالها للبصيرة .
ولما صور لهم هذه النعم ، وهي بحيث لا يشك غافل في أنه لا مثل لها ، وأنه لو تصور أن يعطي شيئا منها آدمي لم يقدر على مكافأته ، حسن تبكيتهم في كفر المنعم بها فقال :
قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ *
لمن أولادكم هذه النعم التي لا مثل لها ، ولا يقدر غيره على شيء منها ، مع ادعائكم أنكم أشكر الناس لمن أسدى إليكم أقل ما يكون من النعم التي يقدر على مثلها كل أحد ، فكنتم بذلك أنزل من الحيوانات العجم صما بكما عميا .
[ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 79 إلى 87 ]
وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ( 79 ) وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 80 ) بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ ( 81 ) قالُوا أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ( 82 ) لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ( 83 )
قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 84 ) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ( 85 ) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ( 86 ) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَ فَلا تَتَّقُونَ ( 87 )
ولما ذكرهم بهذه النعم التي هي دالة على خلقهم ، صرح به في قوله :
وَهُوَ
أي وحده
الَّذِي ذَرَأَكُمْ
أي خلقكم وبثكم
فِي الْأَرْضِ
ولما ذكرهم بإبدائهم المتضمن للقدرة على إعادتهم مع ما فيها من الحكمة وفي تركها من الإخلال بها ، صرح بها فقال :
وَإِلَيْهِ
أي وحده
تُحْشَرُونَ *
يوم النشور .
ولما تضمن ذلك إحياءهم وإماتتهم ، صرح به على وجه عام فقال :
وَهُوَ
أي وحده
الَّذِي
من شأنه أنه
يُحْيِي وَيُمِيتُ
فلا مانع له من البعث ولا غيره مما يريده . ولما كانت حقيقة البعث إيجاد الشيء كما هو بعد إعدامه ، ذكرهم بأمر طالما لابسوه وعالجوه ومارسوه فقال :
وَلَهُ
أي وحده ، لا لغيره
اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ
أي التصرف فيهما على هذا الوجه ، يوجد كلّا منهما بعد أن أعدمه كما كان سواء ، فدل تعاقبهما على تغيرهما ، وتغيرهما بذلك وبالزيادة والنقص على أن لهما مغيرا لا يتغير وأنه لا فعل لهما وإنما الفعل له وحده ، وأنه قادر على إعادة المعدوم كما قدر على ابتدائه بما دل على قدرته وبهذا الدليل الشهودي للحامدين ، ولذلك ختمه بقوله منكرا تسبيب ذلك لعدم عقلهم :
أَ فَلا تَعْقِلُونَ *
أي يكون لكم عقول لتعرفوا ذلك فتعملوا بما تقتضيه من اعتقاد البعث الذي يوجب سلوك الصراط .