تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 218

مساهمون:

ص٢١٨
أي الذي له كل شيء هو رب ذلك - على قراءة البصريين ، والتقدير لغيرهما : ذلك كله للّه ، لأن معنى من رب الشيء : لمن الشيء ، فتفيد اللام الملك صريحا مع إفادة الرب التدبير . ولما تأكد الأمر وزاد الوضوح ، حسن التهديد على التمادي فقال :
قُلْ
منكرا عليهم عدم تسبيبه لهم التقوى :
أَ فَلا تَتَّقُونَ *
أي تجعلون بينكم وبين حلول السخط من هذا الواسع الملك التام القدرة وقاية بالمتاب من إنكار شيء يسير بالنسبة إلى هذا الملك العظيم هين عليه .

[ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 88 إلى 92 ]

قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 88 ) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ( 89 ) بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ( 90 ) مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ( 91 ) عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 92 ) ولما قررهم بالعالمين : العلوي والسفلي ، أمره بأن يقررهم بما هو أعم منهما وأعظم ، فقال :
قُلْ مَنْ بِيَدِهِ
أي خاصة
مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ
أي من العالمين وغيرهما ، والملكوت الملك البليغ الذي لا نقص فيه بوجه ؛ قال ابن كثير : كانت العرب إذا كان السيد فيهم فأجار أحدا لا يخفر في جواره وليس لمن دونه أن يجير عليه لئلا يفتات عليه . ولو أجار ما أفاد ، ولهذا قال اللّه تعالى :
وَهُوَ يُجِيرُ
أي يمنع ويغيث من يشاء فيكون في حرزه ، لا يقدر أحد على الدنو من ساحته
وَلا يُجارُ عَلَيْهِ
أي ولا يمكن أحدا أبدا أن يجير جوارا يكون مستعليا عليه بأن يكون على غير مراده ، بل يأخذ من أراد وإن نصره جميع الخلائق ، ويعلي من أراد وإن تحاملت عليه كل المصائب ، فتبين كالشمس أنه لا شريك يمانعه ، ولا ولد يصانعه أو يضارعه ؛ وقال ابن كثير : وهو السيد العظيم الذي لا أعظم منه الذي له الخلق والأمر ، ولا معقب لحكمه الذي لا يمانع ولا يخالف ، وما شاء كان ، وما لم يشأ لم يكن . ولما كان هذا برهانا مع أنه ظاهر لا يخفى على أحد ، قد يمجمج فيه من له غرض في اللدد ، ألهبهم إلى المبادرة إلى الاعتراف به وهيجهم بقوله :
إِنْ كُنْتُمْ
أي كونا راسخا
تَعْلَمُونَ *
أي في عداد من يعلم ، ولذلك استأنف قوله :
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ
أي الذي بيده ذلك ، خاصا به ، والتقدير لغير البصريين : ذلك كله للّه ، لأن اليد أدل شيء على الملك . ولما كان جوابهم بذلك يقتضي إنكار توقفهم في الإقرار بالبعث ، استأنف قوله :