وبعضهم بالخسف ، وبعضهم بغير ذلك ، فدل أخذنا لهم على غير العادة - من إهلاكنا لهم جميعا وإنجاء الرسل ومن صدقهم والمخالفة بينهم في نوع العذاب - أنا نحن الفاعلون بهم ذلك باختيارنا لا الدهر ، وأنا ما فعلنا ذلك إلا بسبب التكذيب .
ولما كانوا قد ذهبوا لم يبق عند الناس منهم إلا أخبارهم ، جعلوا إياها ، فقال :
وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ
أي أخبارا يسمر بها ويتعجب منها ليكونوا عظة للمستبصرين فيعلموا أنه لا يفلح الكافرون ولا يخيب المؤمنون ، وما أحسن قول القائل :
ولا شيء يدوم فكن حديثا * جميل الذكر فالدنيا حديث
ولما تسبب عن تكذيبهم هلاكهم المقتضي لبعدهم فقال :
فَبُعْداً لِقَوْمٍ
أي أقوياء على ما يطلب منهم
لا يُؤْمِنُونَ *
أي لا يتجدد منهم إيمان وإن جرت عليهم الفصول الأربعة ، لأنه لا مزاج لهم معتدل .
[ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 45 إلى 48 ]
ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ ( 45 ) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً عالِينَ ( 46 ) فَقالُوا أَ نُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ ( 47 ) فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ ( 48 )
ولما كان آل فرعون قد أنكروا الإيمان لبشر مثلهم كما قال من تقدم ذكره من قوم نوح والقرن الذي بعدهم ، وكانوا أترف أهل زمانهم ، وأعظمهم قوة ، وأكثرهم عدة ، وكانوا يستعبدون بني إسرائيل ، وكان قد نقل إلينا من الآيات التي أظهر رسولهم ما لم ينقل إلينا مثله لمن تقدمه ، صرح سبحانه بهم ، وكأن الرسالة إليهم كانت بعد فترة طويلة ، فدل عليها بحرف التراخي فقال :
ثُمَّ أَرْسَلْنا
أي بما لنا من العظمة
مُوسى
وزاد في التسلية بقوله :
وَأَخاهُ هارُونَ
أي عاضدا له وبيانا لأن إهلاك فرعون وآله جميعا مع أنجاء الرسولين معا ومن آمن بهما لإرادة الواحد القهار لإفلاح المؤمنين وخيبة الكافرين
بِآياتِنا
أي المعجزات ، بعظمتنا لمن يباريها
وَسُلْطانٍ مُبِينٍ *
أي حجة ملزمة عظيمة واضحة ، وهي حراسته وهو وحده ، وأعلاه على كل من ناواه وهم مع قوتهم ملء الأرض وعجزهم عن كل ما يرومونه من كيده ، وهذه وإن كانت من جملة الآيات لكنها أعظمها ، وهي وحدها كافية في إيجاب التصديق
إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ
أي وقومه .
ولما كان الأطراف لا يخالفون الأشراف ، عدهم عدما ، ومن الواضح أن التقدير :
أن اعبدوا اللّه ، ما لكم من إله غيره ، وأشار بقوله :
فَاسْتَكْبَرُوا
إلى أنهم أوجدوا الكبر عن الاتباع فيما دعوا إليه عقب الإبلاغ من غير تأمل ولا تثبت وطلبوا أن لا يكونوا