تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 199

مساهمون:

ص١٩٩

[ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 33 إلى 36 ]

وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ما هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ ( 33 ) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ ( 34 ) أَ يَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ ( 35 ) هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ ( 36 ) ولما كان التقدير : فلم يؤمنوا ولم يتقوا دأب قوم نوح ، عطف عليه قوله :
وَقالَ الْمَلَأُ
أي الأشراف الذين تملأ رؤيتهم الصدور ، فكأن ما اقترن بالواو أعظم في التسلية مما خلا منها على تقدير سؤال لدلالة هذا على ما عطف عليه . ولما كانت القبائل قد تفرغت بتفرق الألسن ، قدم قوله :
مِنْ قَوْمِهِ
اهتماما وتخصيصا للإبلاغ في التسلية ولأنه لو أخر لكان بعد تمام الصلة وهي طويلة ؛ ثم بين الملأ بقوله :
الَّذِينَ كَفَرُوا
أي غطوا ما يعرفون من أدلة التوحيد والانتقام من المشركين
وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ
لتكذيبهم بالبعث . ولما كان من لازم الشرف الترف ، صرح به إشارة إلى أنه - لظن كونه سعادة في الدنيا - قاطع في الغالب عن سعادة الآخرة ، لكونه حاملا على الأشر والبطر والتكبر حتى على المنعم ، فقال :
وَأَتْرَفْناهُمْ
أي والحال أنا - بما لنا وعلى ما لنا من العظمة - نعمناهم
فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
أي الدانية الدنيئة ، بالأموال والأولاد وكثرة السرور ، يخاطبون أتباعهم :
ما هذا
أشاروا إليه تحقيرا له عند المخاطبين
إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ
أي في الخلق والحال ؛ ثم وصفوه بما يوهم المساواة في كل وصف فقالوا :
يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ
من طعام الدنيا
وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ *
أي منه من شرابها فكيف يكون رسولا دونكم ! ولما كان التقدير : فلئن اتبعتموه إنكم لضالون ، عطف عليه :
وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ
في جميع ما ترون
إِنَّكُمْ إِذاً
أي إذا أطعتموه
لَخاسِرُونَ *
أي مغبونون لكونكم فضلتم مثلكم عليكم بما يدعيه مما نحن له منكرون ؛ ثم بينوا إنكارهم بقولهم :
أَ يَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ
ففارقت أرواحكم أجسادكم
وَكُنْتُمْ
أي وكانت أجسادكم
تُراباً
باستيلاء التراب على ما دون عظامها
وَعِظاماً
مجردة ؛ ثم بين الموعود به بعد أن حرك النفوس إليه ، وبعث بما قدمه أتم بعث عليه ، فقال مبدلا من
أَنَّكُمْ
الأولى إيضاحا للمعنى :
أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ *
أي من تلك الحالة التي صرتم إليها ، فراجعون إلى ما كنتم عليه من الحياة على ما كان لكم من الأجسام ؛ ثم استأنفوا التصريح بما دل عليه الكلام من استبعادهم ذلك فقالوا :
هَيْهاتَ هَيْهاتَ
أي بعد بعد جدا بحيث صار ممتنعا ، ولم يرفع ما بعده به بل قطع عنه تفخيما له ، فكان كأنه قيل : لأيّ شيء هذا الاستبعاد ؟ فقيل :
لِما تُوعَدُونَ * .