كتابه ، وأمر بها أول كل شيء ؛ وروى أبو نعيم في الحلية في ترجمة إمامنا الشافعي بسنده إليه ثم إلى علي ابن أبي طالب رضي اللّه عنه أنه خطب الناس يوما فقال في خطبته : وأعجب ما في الإنسان قلبه ، ولو مواد من الحكمة وأضداد من خلافها ، فإن سنح له الرجاء أولهه الطمع . وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص ، وإن ملكه اليأس قتله الأسف ، وإن عرض له الغضب اشتد به الغيظ ، وإن أسعد بالرضى نسي التحفظ ، وإن ناله الخوف شغله الحزن ، وإن أصابته مصيبة قصمه الجزع ، وإن أفاد مالا أطغاه الغنى ، وإن عضته فاقة شغله البلاء ، وإن أجهده الجوع قعد به الضعف ، وإن أفرط به الشبع كظته البطنة ، فكل تقصير به مضر . وكل إفراط له مفسد . قال : فقام إليه رجل ممن كان شهد معه الجمل ، فقال : يا أمير المؤمنين ؟ أخبرنا عن القدر ، فقال : بحر عميق فلا تلجه ، فقال : يا أمير المؤمنين ! أخبرنا عن القدر ، فقال : بيت مظلم فلا تدخله ، فقال :
يا أمير المؤمنين ! أخبرنا عن القدر ، فقال ، سر اللّه فلا تتكلفه ، فقال : يا أمير المؤمنين ! أخبرنا عن القدر ، فقال : أما إذا أبيت فإنه أمر بين أمرين ، لا جبر ولا تفويض ، فقال : يا أمير المؤمنين ! إن فلانا يقول بالاستطاعة وهو حاضرك ، فقال : عليّ به ! فأقاموه ، فلما رآه سل من سيفه قدر أربع أصابع فقال : الاستطاعة تملكها مع اللّه أو من دون اللّه ؟
وإياك أن تقول أحدهما فترتد فأضرب عنقك ! فقال : فما أقول يا أمير المؤمنين ؟ قال :
قل : أملكها باللّه الذي إن شاء ملكنيها . وسيأتي إن شاء اللّه تعالى في سورة الحج عند
إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ
[ الحج : 18 ] ما يتصل بهذا .
ولما قصر الأمر كله عليه سبحانه ، وجب رد كل أمر إليه ، وقصر النظر عليه ، فقال منبها على ذلك :
عَلَيْهِ
أي على اللّه وحده الذي ليس الحكم إلا له
تَوَكَّلْتُ
أي جعلته وكيلي فرضيت بكل ما يفعله
وَعَلَيْهِ
أي وحده
فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ *
أي الثابتون في باب التوكل ، فإن ذلك من أعظم الواجبات ، من فعله فاز ، ومن أغفله خاب ، ثم إنه سبحانه صدق يعقوب فيما قال ، مؤكدا لما أشار إلى اعتقاده ، فقال :
وَلَمَّا
وعطفه بالواو يدل على أنهم ما أسرعوا الكرة في هذه المرة خوفا من أن يقول لهم : لم يفرغ ما عندكم حتى تضطروا إلى الاستبدال به ، والزمان زمان رفق ، لا زمان تبسط
دَخَلُوا
أي إخوة يوسف عليه الصلاة والسّلام عند وصولهم إلى مصر
مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ
أي به
أَبُوهُمْ
من أبواب متفرقة ، قالوا : وكان لمصر أربعة أبواب
ما كانَ
ذلك الدخول
يُغْنِي
أي يدفع ويجزي
عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ
أي الملك الأعلى الذي لاراد لأمره ، وأعرق في النفي فقال :
مِنْ شَيْءٍ
كما تقدم من قول يعقوب عليه الصلاة والسّلام
إِلَّا حاجَةً
أي شيئا غير أتم حاجة
فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ
وهو الدخول