تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 72

مساهمون:

ص٧٢
عميس رضي اللّه عنها أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « لو كان شيء سابق القدر لسبقته العين » « 1 » . قال الإمام الرازي : ومنشأ إصابة العين توهم النفس الخبيثة هلاك من تصيبه . وقد تقدم معنى ذلك في رواية أحمد وابن ماجة من حديث أبي هريرة مع انضمام حضور الشيطان ، وهذا الاحتياط من باب الأخذ بالأسباب المأمور بها ، لأنها من القدر ، لا من باب التحرز من القدر ، كما روى مسلم وأحمد وابن ماجة عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « المؤمن القوي خير وأحب إلى اللّه من الضعيف ، وفي كل خير احرص على ما ينفعك ، واستعن باللّه ولا تعجز ، وإن أصابك شيء فلا تقل : لو أني فعلت كذا وكذا ، ولكن قل : قدر اللّه وما شاء فعل ، فإن « لو » تفتح عمل الشيطان » « 2 » معناه - واللّه أعلم : افعل فعل الأقوياء ، ولا تفعل فعل العجزة ، وذلك بأن تنعم النظر ، تمعن في التأمل وتتأنى ، حتى تعلم المصادر والموارد ، فلا تدع شيئا يحتمل أن ينفعك في الأمر الذي أنت مقبل عليه ولا يضرك إلا فعلته ، ولا تدع أمرا يمكن أن يضرك إلا تركته واحترزت منه جهدك ، فإنك إذا فعلت ذلك وأتى أمر من عند اللّه بخلاف مرادك كنت جديرا بأن لا تقول في نفسك : لو أني فعلت كذا ، فإنك لم تترك شيئا ، وأما إذا فعلت فعل العجزة ، وتركت الجزم فما أوشك أن تؤتى من قبل ترك الأسباب ، فما أقربك إلى أن تقول ما يفتح عمل الشيطان من « لو » . ولما خاف أن يسبق من أمره هذا إلى بعض الأوهام أن الحذر يغني من القدر ، نفى ذلك مبينا أنه لم يقصد غير تعاطي الأسباب على ما أمر اللّه وأن الأمر بعد ذلك إليه : إن شاء سبب عن الأسباب مسبباتها ، وإن شاء أبطل تلك الأسباب وأقام أسبابا تضادها ويتأثر عنها المحذور ، فقال :
وَما أُغْنِي
أي أجزي وأسد وأنوب
عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ
أي بعض أمر الملك الأعظم ، وعمم النفي فقال :
مِنْ شَيْءٍ
أي إن أراد بكم ، سواء كنتم مفترقين أو مجتمعين ، وهذا حكم التقدير ، ثم علل ذلك بقوله :
إِنِ
أي ما
الْحُكْمُ
وهو فصل الأمر بما تدعو إليه الحكمة
إِلَّا
الله أي الذي له الأمر كله ، لا يقدر أحد سواه على التفصي عن شيء من مراده والفرار من شيء من قدره ، ولهذا المعنى - وهو أنه لا ينفع أصلا سبب إلا باللّه - أنزل اللّه التسمية مقرونة بهاء السبب أول
هامش
( 1 ) حسن . أخرجه أحمد 6 / 438 والبيهقي في الشعب 11225 كلاهما من حديث أسماء بنت عميس . وتقدم أيضا من حديث ابن عباس رواه مسلم وغيره . ( 2 ) صحيح . أخرجه مسلم 2664 والنسائي في الكبرى 10457 و 10458 و 10459 و 10460 وفي عمل اليوم الليلة 623 و 624 وابن ماجة 79 و 4168 وابن حبان 5721 و 5722 وأبو نعيم 10 / 296 والخطيب 12 / 223 والبيهقي 10 / 89 وأحمد 2 / 366 و 370 كلهم من حديث أبي هريرة .
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 72 | ابراهيم بن عمر البقاعي / عبد الرزاق غالب المهدي