تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 68

مساهمون:

ص٦٨
الجارية الناعمة إنما سميت رؤدا من هذا ، وترأد : اهتز نعمة ، وزيد : قام فأخذته رعدة ، والغصن : تفيأ ، والعنق : التوى - كله من الدوران وما يلزمه من الاضطراب ، ورئد الإنسان : صديقه ، لأنه يراوده ويداوره ، والرأدة : أصل اللحى ، وهو أصول منبت الأسنان ، وهو العظم الذي يدور فيه طرفا اللحيين مما يلي الصدغين ؛ ومن الرفق والمهلة : الرؤدة - بالضم ، وهي التؤدة . ولما أعلمنا سبحانه أنه رغبهم في شأن أخيه ، ورهبهم بالقول ، أعلمنا بأنه رغبهم فيه بالفعل ، فقال عاطفا على قوله الماضي لهم :
وَقالَ
أي يوسف عليه الصلاة والسّلام شفقة على إخوته وإرادة لنصحهم فيما سألهم فيه :
لِفِتْيانِهِ
أي غلمانه ، وأصل الفتى : الشاب القوي ، وسيأتي شرحه عند قوله تعالى :
تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ
اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ
أي ما بضعوه أي قطعوه من مالهم للتجارة وأخذناه منهم ثمنا لطعامهم الذي دفعناه لهم
فِي رِحالِهِمْ
أي عدولهم ؛ والرحل : ما أعد للرحيل من وعاء أو مركب
لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها
أي بضاعتهم ؛ وعبر بأداة التحقق تفاؤلا لهم بالسلامة ، أو ظنا ، أو علما بالوحي ، فقال :
إِذَا انْقَلَبُوا
راجعين
إِلى أَهْلِهِمْ
أي يعرفون أنها هي بعينها ، رددتها عليهم إحسانا إليهم ، ويجزمون بذلك ، ولا يظنون أن اللّه أخلف عليهم مثلها نظرا إلى حالهم وكرامة لأبيهم ، ويعرفون هذه النعمة لي و
لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ *
أي ليكون حالهم حال من يرجع إلينا إذا عرفوها ، لردها تورعا ، أو للميرة بها إن لم يكن عندهم غيرها ، أو طمعا في مثل هذا ، وإنما لم يبادر إلى تعريفهم بنفسه والتعجيل بإدخال السرور على أبيه ، لأن ذلك غير ممكن عادة - لما يأتي من الحكم البالغة والتدبير المتين ، ودل على إسراعهم في الرجوع بالفاء فقال :
فَلَمَّا رَجَعُوا
أي إخوة يوسف عليه الصلاة والسّلام
إِلى أَبِيهِمْ
حملهم ما رأوا - من إحسان الصديق وحاجتهم إليه وتبرئتهم لأنفسهم عن أن يكونوا جواسيس - على أن
قالُوا يا أَبانا .
ولما كان المضار لهم مطلق المنع ، بنوا للمفعول قولهم :
مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ
لأخينا بنيامين على بعيره لغيبته ، ولنا كلنا بعد هذه المرة إن لم نذهب به معنا ليظهر صدقنا ؛ والمنع : إيجاد ما يتعذر به على القادر الفعل . وضده : التسليط ، وأما العجز فضده القدرة
فَأَرْسِلْ
أي بسبب إزالة هذا المنع
مَعَنا أَخانا
إنك إن ترسله معنا
نَكْتَلْ
أي لنفسه كما يكتال كل واحد منا لنفسه - هذا على قراءة حمزة والكسائي بالتحانية ، ولنؤوله على قراءة الجماعة بالنون - من الميرة ما وظفه العزيز ، وهو لكل واحد حمل ، وأكدوا لما تقدم من فعلهم بيوسف عليه الصلاة والسّلام مما يوجب الارتياب بهم ، فقالوا :
وَإِنَّا لَهُ
أي خاصة
لَحافِظُونَ *
أي عن أن يناله مكروه حتى نرده إليك ،
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 68 | ابراهيم بن عمر البقاعي / عبد الرزاق غالب المهدي