تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 329

مساهمون:

ص٣٢٩
الذي هو أبعد المساجد حينئذ وأبعد المسجدين الأعظمين مطلقا من مكة المشرفة ، بينهما أربعون ليلة ، فصلى بالأنبياء كلهم : إبراهيم وموسى ومن سواهما - على جميعهم أفضل الصلاة والسّلام ، ورأى من آياتنا ما قدرناه له ، ورجع إلى بين أظهركم إلى المسجد الأقرب منكم في ذلك الجزء اليسير من الليل وأنتم تضربون أكباد الإبل في هذه المسافة شهرا ذهابا وشهرا إيابا ، ثم وصفه بما يقتضي تعظيمه وأنه أهل للقصد فقال تعالى :
الَّذِي بارَكْنا
أي بما لنا من العظمة ، بالمياه والأشجار وبأنه مقر الأنبياء ومهبط الملائكة وموطن العبادات ومعدن الفواكه والأرزاق والبركات
حَوْلَهُ
أي لأجله فما ظنك به نفسه ! فهو أبلغ من « باركنا فيه » ثم منه إلى السماوات العلى إلى سدرة المنتهى إلى ما لم ينله بشر غيره صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلم وشرف وكرم وبجل وعظم دائما أبدا ؛ ولعله حذف ذكر المعراج من القرآن هنا لقصور فهومهم عن إدراك أدلته لو أنكروه بخلاف الإسراء ، فإنه أقام دليله عليهم بما شاهدوه من الأمارات التي وصفها لهم وهم قاطعون بأنه صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلم لم يرها قبل ذلك ، فلما بان صدقه بما ذكر من الأمارات أخبر بعد ذلك من أراد اللّه بالمعراج ؛ ثم ذكر سبحانه الغرض من الإسراء بما يزيد في تعظيم المسجد فقال :
لِنُرِيَهُ
بعينه وقلبه
مِنْ آياتِنا
السماوية والأرضية كما أرينا أباه الخليل عليه السّلام ملكوت السماوات والأرض ، وجعل الالتفات لتعظيم الآيات والبركات ؛ روى البخاري عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : أتي النبي صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلم ليلة أسري به بإيلياء بقدحين من خمر ولبن ، فنظر إليهما فأخذ اللبن فقال جبرئيل عليه السّلام : الحمد للّه الذي هداك للفطرة ، لو أخذت الخمر غوت أمتك « 1 » . وعن جابر رضي اللّه عنه سمعت النبي صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلم يقول : لما كذبتني قريش قمت في الحجر فجلى اللّه لي بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه « 2 » . ولما كان المعول عليه غالبا في إدراك الآيات حس السمع والبصر ، وكان تمام الانتفاع بذلك إنما هو بالعلم ، وكان سبحانه قد خص هذا النبي صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلم من كمال الحس مما يعد معه حس غيره عدما ، عبر عن ذلك كله بقوله تعالى :
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري 4709 و 3394 و 5603 ومسلم 168 وأحمد 2 / 282 والترمذي 3130 والنسائي 8 / 312 وابن حبان 52 وعبد الرزاق 5 / 329 والطبري 15 / 12 وأبو عوانة 1 / 129 تكلم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه . ( 2 ) أخرجه البخاري 4710 و 3886 ومسلم 170 وأحمد 3 / 377 - 378 والترمذي 3132 والبيهقي في الدلائل 2 / 359 وأبو عوانة 1 / 131 وابن حبان 55 وعبد الرزاق 5 / 329 وابن منده 738 كلهم عن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنه .