تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 328

مساهمون:

ص٣٢٨
لما كان مقصود النحل التنزه عن الاستعجال وغيره من صفات النقص ، والاتصاف بالكمال المنتج لأنه قادر على الأمور الهائلة ومنها جعل الساعة كلمح البصر أو أقرب ، وختمها بعد تفضيل إبراهيم عليه السّلام والأمر باتباعه بالإشارة إلى نصر أوليائه - مع ضعفهم في ذلك الزمان وقلتهم - على أعدائه على كثرتهم وقوتهم ، وكان ذلك من خوارق العادات ونواقض المطردات ، وأمرهم بالتأني والإحسان ، افتتح هذه بتحقيق ما أشار الختم إليه بما خرقه من العادة في الإسراء ، وتنزيه نفسه الشريفة من توهم استبعاد ذلك ، تنبيها على أنه قادر على أن يفعل الأمور العظيمة الكثيرة الشاقة في أسرع وقت ، دفعا لما قد يتوهم أو يتعنت به من يسمع نهيه عن الاستعجال وأمره بالصبر ، وبيانا لأنه مع المتقي المحسن ، وتنويها بأمر محمد صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلم ، وإعلاما بأنه رأس المحسنين وأعلاهم رتبة وأعظمهم منزلة ، بما آتاه من الخصائص التي منها المقام المحمود ، وتمثيلا لما أخبر به من أمر الساعة فقال تعالى :
سُبْحانَ
وهو علم للتنزيه ، دال على أبلغ ما يكون من معناه ، منصوب بفعل متروك إظهاره ، فسد مسده
الَّذِي أَسْرى
فنزه نفسه الشريفة عن كل شائبة نقص يمكن أن يضيفها إليه أعداؤه بهذا اللفظ الأبلغ عقب الأمر بالتأني آخر النحل . كما نزه نفسه الشريفة بذلك اللفظ عقب النهي عن الاستعجال في أولها ، وهو راد لما علم من ردهم عليه وتكذيبهم له إذا حدثهم عن الإسراء ، وفيه مع ذلك إيماء إلى التعجيب من هذه القصة للتنبيه على أنها من الأمور البالغة في العظمة إلى حد لا يمكن استيفاء وصفه . ولما كان حرف الجر مقصورا على إفادة التعدية في « سرى » الذي بمعنى أسرى وكان أسرى يستعمل متعديا وقاصرا عبر به ، واختير القاصر للدلالة على المصاحبة زيادة في التشريف فقال تعالى :
بِعَبْدِهِ
أي الذي هو أشرف عباده وأحقهم بالإضافة إليه الذي لم يتعبد قط لسواه من صنم ولا غيره لرجاء شفاعة ولا غيرها . ولما كان الإسراء هو السير في الليل ، وكان الشيء قد يطلق على جزء معناه بدلالة التضمن مجازا مرسلا ، نفى هذا بقوله تعالى :
لَيْلًا
وليدل بتنوين التحقير على أن هذا الأمر الجليل كان في جزء يسير من الليل ، وعلى أنه عليه الصلاة والسّلام لم يحتج - في الإسراء والعروج إلى سدرة المنتهى وسماع الكلام من العلي الأعلى - إلى رياضة بصيام ولا غيره ، بل كان مهيئا لذلك متأهلا له ، فأقامه تعالى من الفرش إلى العرش
مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
أي من الكعبة المشرفة مسجد إبراهيم عليه السّلام ، قيل : كان نائما في الحطيم ، وقيل : في الحجر ، وقيل : في بيت أم هانىء - وهو قول الجمهور ، فالمراد بالمسجد حينئذ الحرم لأنه فناء المسجد
إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى
أي