كالأصنام !
عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ
دون بعض ، لأن ذلك نتيجة فعله بالاختيار ، وأبدل من الروح أو فسر الإنزال بالوحي لأنه متضمن معنى القول فقال :
أَنْ أَنْذِرُوا
أي الناس سطواتي ، فإنها لا محالة نازلة بمن أريد إنزالها به ، بسبب
أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا
وعبر بضمير المتكلم لأنه أدل على المراد لكونه أعرف ؛ وسبب عن وحدانيته التي هي منتهى كمال القوة العلمية قوله آمرا بما هو أقصى كمال القوة العملية :
فَاتَّقُونِ *
أي فليشتد خوفكم مني وأخذكم لما يكون وقاية لكم من عذابي ، فإنه لا مانع مما أريد ، فمن علمت أنه أهل للنقمة أنزلتها به ، ومن علمته أهلا لتلقي الروح منحته إياه .
ولما وحد نفسه ، دل على ذلك بقوله ، شارحا لإيجاده أصول العالم وفروعه على وجه الحكمة :
خَلَقَ السَّماواتِ
أي التي هي السقف المظل
وَالْأَرْضَ
أي التي هي البساط المقل
بِالْحَقِّ
أي بالأمر المحقق الثابت ، لا بالتمويه والتخييل
أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ .
ولما كان ذلك من صفات الكمال المستلزمة لنفي النقائص ، وكان قاطعا في التنزه عن الشريك ، لأنه لو كان ، لزم إمكان الممانعة ، فلزم العجز عن المراد ، أو وجود الضدين المرادين لهما ، وكل منهما محال ، فإمكان الشريك محال ، ولأنهما وكل ما فيهما ملكه وفي تصرفه ، لا نزاع لمن أثبت الإله في ذلك ، تلاه بقوله - نتيجة لذلك دالة على أنه تعالى ليس من قبيل الأجرام :
تَعالى
أي تعاليا فات الوصف
عَمَّا يُشْرِكُونَ *
- عريا عن افتتاحه بالتنزيه كالأولى .
[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 4 إلى 6 ]
خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ( 4 ) وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ ( 5 ) وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ( 6 )
ولما كان خلق السماوات والأرض غيبا لتقدمه ، وكان خلق الإنسان على هذه الصفة شهادة ، مع كونه أدل على ذلك من حيث إنه أشرف من كل ما يعبده من دون اللّه ، ولن يكون الرب أدنى من العبد أصلا ، قال معللا :
خَلَقَ الْإِنْسانَ
أي هذا النوع الذي خلقه أدل ما يكون على الوحدانية والفعل بالاختيار ، لأنه أشرف ما في العالم السفلي من الأجسام لمشاركته للحيوان الذي هو أشرف من غيره بالقوى الشريفة من الحواس الظاهرة والباطنة ، والشهوة والغضب ، واختصاصه بالنطق الذي هو إدراك الكليات والتصرف فيها بالقياسات
مِنْ نُطْفَةٍ
أي آدم عليه السّلام من مطلق الماء ، ومن تفرع منه بعد زوجه من ماء مقيد بالدفق .