تَكُونُوا
- أي كونا أنتم مجبولون عليه - قادرين على حملها إليه ، وتبلغكم - بحملها لكم - إلى بلد لم تكونوا
بالِغِيهِ
بغير الإبل
إِلَّا بِشِقِّ
أي بجهد ومشقة وكلفة
الْأَنْفُسِ
ويجوز أن يكون المعنى : لم تبلغوه بها ، فكيف لو لم تكن موجودة ؛ والشق : أحد نصفي الشيء ، كأنه كناية عن ذهاب نصف القوة لما يلحق من الجهد ؛ والآية من الاحتباك : ذكر حمل الأثقال أولا دليلا على حمل الأنفس ثانيا ، وذكر مشقة البلوغ ثانيا دليلا على مشقة الحمل أولا .
ولما كان هذا كله من الإحسان في التربية ، ولا يسخره للضعيف إلا البليغ في الرحمة ، وكان من الناس من له من أعماله سبب لرضى ربه ، ومنهم من أعماله كلها فاسدة ، قال :
إِنَّ رَبَّكُمْ
أي الموجد لكم والمحسن إليكم
لَرَؤُفٌ
أي بليغ الرحمة لمن يتوسل إليه بما يرضيه
رَحِيمٌ *
أي بليغ الرحمة بسبب وبغير سبب .
ولما كانت الأنعام أكثر أموالهم ، مع أن منافعها أكثر ، بدأ بها ثم ثنى بما هو دونها ، مرتبا له على الأشراف فالأشراف ، فقال تعالى :
وَالْخَيْلَ
أي الصاهلة
وَالْبِغالَ
أي المتولدة بينها وبين الحمر
وَالْحَمِيرَ
أي الناهقة .
ولما كان الركوب فعل المخاطبين ، وهو المقصود بالنفعة ، ذكره باللام التي هي الأصل في التعليل فقال :
لِتَرْكَبُوها
ولما كانت الزينة تابعة للمنفعة ، وكانت فعلا لفاعل الفعل المعلل ، نصبت عطفا على محل ما قبلها فقال :
وَزِينَةً .
ولما دل على قدرته بما ذكر في سياق الامتنان ، دل على أنها لا تتناهى في ذلك السياق ، فنبه على أنه خلق لهم أمورا لو عدها لهم لم يفهموا المراد منها لجهلهم بها ، ولعلها أجل منافع مما ذكر فقال :
وَيَخْلُقُ
أي على سبيل التجديد والاستمرار في الدنيا والآخرة
ما لا تَعْلَمُونَ *
فلا تعلمون له موجدا غيره ولا مدبرا سواه .
[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 9 إلى 11 ]
وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ ( 9 ) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ ( 10 ) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( 11 )
ولما كانوا في أسفارهم واضطرابهم في المنافع بهذه الحيوانات وغيرها يقصدون أسهل الطرق وأقومها وأوصلها إلى الغرض ، ومن عدل عن ذلك كان عندهم ضالا سخيف العقل غير مستحق للعد في عداد النبلاء ، نبههم على أن ما تقدم في هذه السورة قد بين الطريق الأقوم الموصل إليه سبحانه بتكفله ببيان أنه واحد قادر عالم مختار ، وأنه