تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 120

مساهمون:

ص١٢٠
فالذين تطمئن قلوبهم بذكر اللّه هم أولو الألباب المتذكرون التامو الإيمان وهم القليل المشار إليهم في قوله تعالى
وَقَلِيلٌ ما هُمْ
[ ص : 24 ] والمقول فيهم
أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا
[ الأنفال : 4 ] ودون هؤلاء طوائف من المؤمنين ليسوا في درجاتهم ولا بلغوا يقينهم ، وإليهم الإشارة بقوله :
وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ
[ يوسف : 106 ] قال عليه الصلاة والسّلام « الشرك في أمتي أخفى من دبيب النمل » فهذا بيان ما أجمل في قوله
وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ
وأما قوله تعالى :
أَ فَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللَّهِ
[ يوسف : 107 ] فما عجل لهم من ذلك في قوله :
وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ
القاطع دابرهم ، والمستأصل لأمرهم ، وأما قوله تعالى :
قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ
[ يوسف : 108 ] الآية ، فقد أوضحت آي سورة الرعد سبيله عليه السّلام وبينته بما تحملته من عظيم التنبيه وبسط الدلائل بما في السماوات والأرض وما بينهما وما في العالم بجملته وما تحمله الكتاب المبين - كما تقدم ، ثم قد تعرضت السورة لبيان جليّ سالكي تلك السبيل الواضحة المنجية فقال تعالى :
الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ
[ الرعد : 20 ] إلى آخر ما حلاهم به أخذا وتركا ، ثم عاد الكلام بعد إلى ما فيه من التنبيه والبسط وتقريع الكفار وتوبيخهم وتسليته عليه السّلام في أمرهم
إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ *
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً
[ الرعد : 38 ] ،
فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ
[ الرعد : 40 ]
وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا
[ الرعد : 43 ] ، والسورة بجملتها غير حائدة عن تلك الأغراض المجملة في الآيات الأربع المذكورات من آخر سورة يوسف ، ومعظم السورة وغالب آيها في التنبيه وبسط الدلالات والتذكير بعظيم ما أودعت من الآيات ؛ ولما كان هذا شأنها أعقبت بمفتتح سورة إبراهيم عليه السّلام - انتهى . فلما أثبت سبحانه لهذا الكتاب أنه المختص بكونه حقا فثبت أنه أعظم الأدلة والآيات ، شرع يذكر ما أشار إليه بقوله :
وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ
من الآيات المحسوسة الظاهرة الدالة على كون آيات الكتاب حقا بما لها في أنفسها من الثبات ، والدالة بما لفاعلها من القدرة والاختيار - على أنه قادر على كل شيء ، وأن ما أخبر به من البعث حق لما له من الحكمة ، والدالة - بما للتعبير عنها من الإعجاز - على كونها من عند اللّه ، وبدأ بما بدأ به في تلك من آيات السماوات لشرفها ولأنها أدل ، فقال :
اللَّهُ
أي الملك الأعظم الذي له جميع صفات الكمال وحده
الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ
بعد إيجادها من عدم - كما أنتم بذلك مقرون ؛ والرفع : وضع الشيء في جهة العلو سواء كان بالنقل أو بالاختراع ، كائنة
بِغَيْرِ عَمَدٍ
جمع عماد كأهب وإهاب أو عمود ، والعمود : جسم