للاستواء على العرش بعد أن أشار إلى عظمة هذا الخبر بما في صلة الموصول من الأوصاف العظيمة :
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ
أي في المعاش والمعاد وما ينظمهما بأن يفعل فيه فعل من ينظر في أدباره وعواقبه ليأتي محكما يجل عن أن يرام بنقض ، بل هو بالحقيقة الذي يعلم أدبار الأمور وعواقبها ، لا يشغله شأن عن شأن ، مع أن هذا العالم - من أعلى العرش إلى ما تحت الثرى - محتو على أجناس وأنواع وفصول وأصناف وأشخاص لا يحيط بها سواه ، وذلك دال قطعا على أنه سبحانه في ذاته وصفاته متعال عن مشابهة المحدثات واحد أحد صمد ليس له كفوا أحد .
ولما كان هذا بيانا عظيما لا لبس فيه ، قال
يُفَصِّلُ الْآياتِ
أي التي برز إلى الوجود تدبيرها ، الدالة على وحدانيته وكمال حكمته ، المشتملة عليها مبدعاته ، فيفرقها ويباين بينها مباينة لا لبس فيها ، تقريبا لعقولكم وتدريبا لفهومكم ، لتعلموا أنها فعل الواحد المختار ، لا فعل الطبائع ولا غيرها من الأسباب التي أبدعها ، وإلا فكانت على نسق واحد ، وجمعها لما تقدم من الإشارة إلى كثرتها بقوله :
وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
فكأن هذه الألف واللام لذلك المنكر هناك .
ولما كان هذا التدبير وهذا التفصيل دالّا على تمام القدرة وغاية الحكمة ، وكان البعث لفصل القضاء والحكم بالعدل وإظهار العظمة هو محط الحكمة ، علل بقوله :
لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ
أي لتكون حالكم حال من يرجى له بما ينظر من الدلالات الإيقان بلقاء الموجد له المحسن إليه بجميع ما يحتاجه التربية
تُوقِنُونَ *
أي تعلمون ذلك من غير شك استدلالا بالقدرة على ابتداء الخلق على القدرة على ما جرت العادة بأنه أهون من الابتداء وهو الإعادة ، وأنه لا تتم الحكمة إلا بذلك .
[ سورة الرعد ( 13 ) : الآيات 3 إلى 4 ]
وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( 3 ) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( 4 )
ولما انقضى ما أراد من آيات السماوات ، ثنى بما فيما ثنى به في آية يوسف من الدلالات فقال :
وَهُوَ
أي وحده
الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ
ولو شاء لجعلها كالجدار أو الأزج لا يستطاع القرار عليها ، وهذا لا ينافي أن تكون كرية ، لأن الكرة إذا عظمت كان كل قطعة منها تشاهد كالسطح ، كما أن الجبال أوتاد والحيوان يستقر عليها
وَجَعَلَ فِيها
جبالا مع شهوقها
رَواسِيَ
أي ثوابت ، واحدها راسية أي ثابتة باقية في حيزها