تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
الإعجاز ، وكذا ما تبعه من بيانه بالسنة لما له من الحق الذي لا يخفى على كل عاقل ، وكان ما تحقق أنه كذلك يعلم أن الآتي به لا يكون إلا عظيما ، بني للمفعول قوله :
أُنْزِلَ إِلَيْكَ
كائن
مِنْ رَبِّكَ
فثبت حينئذ قطعا أنه هو
الْحَقُّ
أي الموضوع كل شيء منه في موضعه على ما تدعو إليه الحكمة ، الواضح الذي لا يتخلف شيء منه عن مطابقة الواقع من بعث ولا غيره ، فهو أبعد شيء عن قولهم : إن وعده بالبعث سحر ، فوجب لثبوت حقيته على كل من اتصف بالعقل أن يؤمن به
وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ
أي الآنسين بأنفسهم المضطربين في آرائهم ،
لا يُؤْمِنُونَ *
أي لا يتجدد منهم إيمان أصلا بأنه حق في نفسه وأنه من عند اللّه ، بل يقولون : إنه من عند محمد صلّى اللّه عليه وعلى آله وسلم ، وإنه تخييل ليست معاينة ثابتة - كما قلنا
وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ
[ يوسف : 103 ] فليس هدى لهم كاملا ولا رحمة تامة ، هذا التقدير محتمل ، ولكن الذي يدل عليه ظاهر قوله تعالى :
أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ
[ الرعد : 19 ] أن
الَّذِي
مبتدأ ، و
مِنْ رَبِّكَ
صلة
أُنْزِلَ
والخبر
الْحَقُّ
والمقصود من هذه السورة هذه الآية ، وهي وصف المنزل بأنه الحق وإقامة الدليل عليه ، وذلك لأنه لما تم وصف الكتاب بأنه حكيم محكم مفصل مبين ، عطف الكلام إلى تفصيل أول سورة البقرة ، والإيماء إلى أنه حان اجتناء الثمرة في هذه السورة والتي بعدها ، ويلتحم بذلك وصف المصدقين بذلك - كما ستقف عليه . وقال الإمام أبو جعفر بن زبير رحمه اللّه في برهانه : هذه السورة تفصيل لمجمل قوله سبحانه في خاتمة سورة يوسف عليه السّلام
وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ * وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ * أَ فَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللَّهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ
[ يوسف : 105 - 106 - 107 - 108 ] فبيان آي السماوات في قوله :
اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى
وبيان آي الأرض في قوله :
وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ
فهذه آي السماوات والأرض ، وقد زيدت بيانا في مواضع ، ثم في قوله تعالى :
يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ
ما يكون من الآيات عنهن ، لأن الظلمة عن جرم الأرض ، والضياء عن نور الشمس وهي سماوية ، ثم زاد تعالى آيات الأرض بيانا وتفصيلا في قوله تعالى :
وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ
[ الرعد : 4 ] إلى قوله :
لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ .
ولما كان إخراج الثمر بالماء النازل من السماء من أعظم آية ، ودليلا واضحا على صحة المعاد ، ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى
كَذلِكَ نُخْرِجُ