تذكيرا بما يلزم بادعائه
إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ
بإصلاح ذات بينكم ، وذلك جامع لأمر الدين كله
يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً
أي نصرا ، لأن مادة « فرق » ترجع إلى الفصل ، فكأن الشيء إذا كان متصلا كان كل جزء منه مقهورا على ملازمة صاحبه ، فإذا جعل له قوة الفرق قدر على الاتصال والانفصال ، فحقيقته : يجعل لكم عزا تصيرون به بحيث تفترقون ممن أردتم متى أردتم وتتصلون بمن أردتم متى أردتم لما عندكم من عزة الممانعة ، وتفرقون بين من أردتم متى أردتم لما لديكم من قوة المدافعة ، أي يجعل لكم ما يصير لكم به قوة التصرف فيما تريدون من الفصل والوصل الذي هو وظيفة السادة المرجوع إلى قولهم عند التنازع ، لا كما كنتم في مكة ، لا تأمنون في المقام ولا تقدرون على الكلام - فضلا عن الخصام - إلا على تهيب شديد ، ومع ذلك فلا يؤثر كلامكم أثرا يسمى به فارقا ، والفاروق من الناس الذي يفرق بين الأمور ويفصلها ، وبه سمي عمر رضي اللّه عنه لأنه أظهر الإسلام بمكة إظهارا فيه عز وقوة ، جعل فيه الإيمان مفارقا للكفر لا يخافه ، وفرق - بالكسر بمعنى خاف - يرجع إلى ما دارت عليه المادة ، فإن المراد به : تفرقت همومه من اتساع الخوف ، والفرق الذي هو المكيال الكبير كأنه هو الفارق بين الغني والفقير ، قال الهروي : هو اثنا عشر مدا ، وأفرق من علته - إذا برئ ، أي صارت له حالة فرقت بين صحته ومرضه الذي كان به ، ومنه الفريقة وهي تمر وحلبة يطبخ للنفساء ؛ وقرفت الشيء - بتقديم القاف : قشرته ، والقرف : الخلط ، كأنه من الإزالة ، لأنهم قالوا : إن « فعل » يدخل في كل باب ، ومنه : قرف الشيء واقترفه : اكتسبه ، والاقتراف بمعنى الجماع ، ويمكن أن يرجع إلى الوعاء لأن القرف الوعاء ، لأنه يفصل مظروفه عن غيره ، وفلان قرفتي ، أي موضع ظني منه كأنه صار وعاء لذلك ، وفرس مقرف ، أي بيّن القرفة ، أي هجين لأنه واضح التميز من العربي ، وقرف بسوء : رمى به ، أي جعل وعاء له أو فرق همومه ؛ والقفر - بتقديم القاف : المكان الخالي لانفصاله من الناس ، وأقفر المكان : خلا ، وأقفر الرجل من أهله : انفرد عنهم ، وقفر الطعام : خلا من الأدم ، ورجل قفر الرأس : لا شعر عليه لانفصاله عنه ، وقفر الجسد : لا لحم عليه ، والقفار :
الطعام لا أدم له ، واقتفرت الأثر : اتبعته لتفصله من غيره ؛ والفقرة - بتقديم الفاء - والفقار : ما تنضد من عظام الصلب من لدن الكاهل إلى العجب لتميز كل واحدة عن أختها ، وفقرت الأرض فقرا : حفرتها حفرا ، فصارت كل واحدة منفصلة من الأخرى ، والفاقرة : الداهية الكاسرة للفقار ، ومنه الفقر والافتقار للحاجة ، وأفقرني دابته : أعارني ظهرها ، وراميته من أدنى فقرة : من أدنى معلم لأن المعالم منفصل بعضها عن بعض ، والتقفر في رجل الدابة بياض لانفصاله عن بقية لونها ، ورفقت بالأمر : لطفت به ، ولا