في قوله :
وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ
من الفرائض والحدود والنوافل وغيرها إشارة إلى أن الخيانتين مختلفتان ، فخيانتهم للّه حقيقة ، وخيانتهم للأمانة استعارة ، لأن حاملها لما أخلّ بها كان كأنه خانها ؛ وخفف عنهم بقوله :
وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ *
حال الغفلة ونحوها ، ويجوز أن يكون المفعول غير مراد فيكون المعنى : وأنتم علماء ، ويكون ذلك مبالغة في النهي عنها بأنهم جديرون بأن لا يقبل منهم عذر بجهل ولا نسيان لأنهم علماء ، والعالم هو العارف باللّه ، والعارف به لا ينبغي أن ينفك عن المراقبة .
[ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 28 إلى 30 ]
وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ( 28 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ( 29 ) وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ ( 30 )
ولما كان سبب الخيانة غالبا محبة المال أو الولد ، وكان سبب التقاول المسبب عنه إنزال هذه السورة - كما سلف بيانه أولها - الأموال من الأنفال ، وكان من أعظم الخيانة في الأنفال الغلول ، وكان الحامل على الغلول المحنة بحب جمع المال إما استلذاذا به أو لإنفاقه على محبوب ، وكان الولد أعز محبوب ؛ حسن كل الحسن إيلاء ذلك قوله :
وَاعْلَمُوا
وهي كلمة ينبه بها السامع على أن ما بعدها مهم جدا
أَنَّما أَمْوالُكُمْ
قلّت أو جلّت هانت أو عزّت
وَأَوْلادُكُمْ
كذلك
فِتْنَةٌ
أي سببها ، يفعل اللّه بها فعل المختبر لينكشف للعباد من يغتر بالعاجل الفاني ممن تسمو نفسه عن ذلك ، فلا يحملنكم ذلك على مخالفة أمر اللّه فتهلكوا
وَأَنَّ اللَّهَ
أي المحيط بكل كمال
عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ *
عاجلا وآجلا لمن وقف عند حدوده ، فيحفظ له ماله ويثمره أولاده ويبارك له فيهم مع ما يدخر له في دار السعادة ، وعنده عذاب أليم لمن ضيعها ، فأقبلوا بجميع هممكم إليه تسعدوا ، وزاد وضعها هنا حسنا سبب نزول التي قبلها من قصة أبي لبابة رضي اللّه عنه الحامل عليها ماله وولده ، وكانت قصته في قريظة سنة خمس وغزوة بدر في السنة الثانية .
ولما ذكرهم ما كانوا عليه قبل الهجرة من الضعف ، وامتنّ عليهم بما أعزهم به ، وختم هذه بالتحذير من الأموال والأولاد الموقعة في الردى ، وبتعظيم ما عنده الحامل على الرجاء ، تلاها بالأمر بالتقوى الناهية عن الهوى بالإشارة إلى الخوف من سطواته إشارة إلى أنه يجب الجمع بينهما ، وبين تعالى أنه يتسبب عنه الأمن من غيره في الأولى والنجاة من عذابه في الأخرى فقال تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
تكريرا لهذا الوصف