تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
ولما كان كأنه قيل : ما لهم رضوا لأنفسهم بطريق جهنم ؟ قيل :
لَهُمْ
ولما كان السياق للتفكر ، بدأ بالقلوب فقال :
قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها
أي الفقه الذي كلفوا به ، وهو النظر في أدلة التوحيد وثبوت النبوة وما تفرع عن ذلك ، وهو الفقه المسعد ، عد غيره عدما لأنه لم ينفعهم النفع المقصود في الحقيقة ، وما أحسن التعبير بالفقه في سياق إقامة الأدلة التي منها إرسال الرسل وإنزال الكتب . ولما كان البصر أعم من السمع ، لأنه ينتفع به الصغير الذي لا يفهم القول ، وكذا كل من في حكمه ، قدمه فقال :
وَلَهُمْ أَعْيُنٌ
ولما لم يترتب عليها الإبصار النافع في الآخرة الباقية ، نفى إبصارهم وإن كانوا أحدّ الناس إبصارا فقال :
لا يُبْصِرُونَ بِها
أي الآيات المرئية إبصار تفكر واعتبار
وَلَهُمْ آذانٌ
ولما لم يترتب على سمعها ما ينفعهم ، نفاه على نحو ما مضى فقال :
لا يَسْمَعُونَ بِها
أي الآيات المسموعة وما يدل عليها سماع ادكار وافتكار ، ولما سلبت عنهم هذه المعاني كانت النتيجة :
أُولئِكَ
أي البعداء من المعاني الإنسانية
كَالْأَنْعامِ
أي في عدم الفقه ، ولما كانوا قد زادوا على ذلك تفقد نفع السمع والبصر قال :
بَلْ هُمْ أَضَلُّ
لأنهم إما معاند وإما جاهل بما يضره وينفعه ، والأنعام تهرب إذا سمعت صوتا منكرا فرأت بعينها أنه يترتب عليه ضرها ، وتنتظر ما ينفعها من الماء والمرعى فتقصده ، والأنعام لا قدرة لها على ما يترتب على هذه المدارك من الفقه . وهؤلاء مع قدرتهم على ذلك أهملوه فنزلوا عن رتبتها درجة كما أن من طلب الكمال وسعى له سعيه مع نزاع الشهوات علا عن درجة الملائكة بما قاسى من الجهاد . ولما تشاركوا الأنعام بهذه في الغفلة وزادوا عليها ، أنتج ذلك قطعا على طريق الحصر :
أُولئِكَ
أي البعداء البغضاء
هُمْ
أي خاصة
الْغافِلُونَ *
لا الأنعام ، فإنها - وإن كانت غافلة عما يراد بها - غير خالدة في العذاب ، فلم تشاركهم في العمى والصمم عما ينفعها ولا في الغفلة عن الخسارة الدائمة ، فقد أشارت الآية إلى تفضيل الإنسان على الملك كما اقتضته سورة الزيتون ، لأنه جعل في خلقه وسطا بين الملك الذي هو عقل صرف والحيوان الذي هو شهوة مجردة ، فإن غلب عقله كان أعلى بما عالجه من جهاد الشهوات فكان في
أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ
[ التين : 5 ] ، وإن غلبت شهوته كان أسفل من الحيوان بما أضاع من عقله فكان
أَسْفَلَ سافِلِينَ
[ التين : 5 ] . ولما أنتج هذا أن لهم الأسماء السوأى ولمعبوداتهم أسوأ منها ، عطف عليه دفعا لوهم من يتوهم بالحكم بالضلال والذرء لجهنم ما لا يليق ، وتنبيها على أن الموجب لدخول جهنم الغفلة عن ذكر اللّه ودعائه - قوله :
وَلِلَّهِ
أي الملك الأعلى المحيط
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 159 | ابراهيم بن عمر البقاعي / عبد الرزاق غالب المهدي