تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 156

مساهمون:

ص١٥٦
فانظر ما الذي يقال ؟ وتجلى الرب على بلعام وأجرى على فيه قولا وقال له : انطلق إلى بالاق فأخبره بهذا القول ، فأتاه وهو قائم عند قرابينه ومعه أشراف مؤاب ، فرفع بلعام صوته بأمثاله وقال ؛ انهض بالاق واسمع قولي وأصغ لشهادتي يا ابن صفور ! اعلم أن اللّه ليس مثل الرجل يحلف ويكذب ؛ إذا قال الرب قولا فعله ، وكلامه دائم إلى الأبد ، ساقني لأدعو وأبرك ، ولا أرد البركة ولا أخالف ما أمرت به ، لست أرى في آل يعقوب إثما ولا غدرا عند بني إسرائيل ولا ظلما ، لأن اللّه ربه معه اللّه الذي أخرجهم من مصر بعزة وعظمة قوية ، ولست أرى في آل يعقوب طيرة ، ولا حساب نجوم أو عراف بين بني إسرائيل ، كيف أقول والشعب قائم مثل الضرغام لا يربض حتى يفترس فريسته ويشرب دم القتل ، فقال بالاق لبلعام : أطلب أن لا تلعنه ولا تدعو له ، فرد بلعام على بالاق قائلا : ألست قلت لك : إني إنما أنطق بما يقول لي الرب ، فقال بالاق : انطلق بنا إلى موضع آخر ، لعل اللّه يرضى بغير هذا فتلعنه لي هناك ، فأصعده إلى رأس فغور الذي بإزاء إستيمون ، فأمره بمثل ما تقدم من الذبح والقربان ، فرأى بلعام أن الرب يحب أن يدعو لبني إسرائيل ، ولم ينطلق كما كان ينطلق في كل وقت ليطلب الوحي ، ولكن أقبل بوجهه إلى البرية ومد بصره ، فرأى بني إسرائيل نزولا قبائل قبائل فحل عليه روح اللّه ، ورفع صوته بأمثاله وقال : قل يا بلعام بن بعور ، قل أيها الرجل الذي أجلى عن بصره ، قل أيها الذي سمع قول اللّه ورأى رؤيا اللّه وهو ملقى وعيناه مفتوحتان ، ما أحسن منزلك يا يعقوب ومنازلك يا إسرائيل ! وخيمك كالأودية الجارية ، ومثل الفراديس التي على شاطىء النهر ، ومثل الجنى الذي ركزه اللّه ، ومثل شجر الأرز على شاطى النهر يخرج رجل من بينه وذريته أكثر من الماء الكثير ، ويعظم على الملك ، وذلك بقوة اللّه الذي أخرجهم من أرض مصر بغير توقف رثما ، يأكل خيرات الشعوب أعدائه ويكسر عظامهم ويقطع ظهورهم ، رتع وربض كالأسد ومثل شبل الليث ، ومن يقدر أن يبعثه ، يبارك مباركوك ويلعن لاعنوك ، فاشتد غضب بالاق على بلعام وصفق بيديه ملتهفا وقال : دعوتك للعن أعدائي ، فماذا أنت تباركهم وتدعو لهم ثلاث مرات ، انصرف الآن إلى بلادك ، قد كنت عزمت على إكرامك وإجازتك فإذا الرب قد أحرمك ذلك ، فرد بلعام على بالاق قائلا : قد كنت قلت لرسلك الذين أرسلتهم إليّ أنه لو وهب لي بالاق ملء بيته من ذهب وفضة لم أقدر أتعدى عن قول الرب ، ولكن إنما أنطق ما يلهمني الرب ، فأنا أنطلق الآن إلى أرضي ، فأسمع ما أشير عليك وأخبرك ما يصنع هذا الشعب بشعبك آخر الأيام ، ثم رفع صوته بأمثاله وقال : قل يا بلعام بن بعور قل أيها الرجل المجلى عن بصره ! قل أيها الذي سمع قول اللّه وعلم علم العلي ورأى رؤيا اللّه إذ هو ملقى وعيناه