تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
اسْكُنُوا
أي ادخلوا مطمئنين على وجه الإقامة ، ولا يسمى ساكنا إلا بعد التوطن بخلاف الدخول ، فإنه يكون بمجرد الولوج في الشيء على أيّ وجه كان
هذِهِ الْقَرْيَةَ
فهو دليل آخر على الأمرين : الصرف والصدق ؛ وعبر هنا بالمجهول في
قِيلَ
إعراضا عن تلذيذهم بالخطاب إيذانا بأن هذا السياق للغضب عليهم بتساقطهم في الكفر وإعراضهم عن الشكر ، من أيّ قائل كان وبأيّ صيغة ورد القول وعلى أيّ حالة كان ، وإظهارا للعظمة حيث كانت ، أدنى إشارة منه كافية في سكناهم في البلاد واستقرارهم فيها قاهرين لأهلها الذين ملؤوا قلوبهم هيبة حتى قالوا
إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها
[ المائدة : 24 ] . ولما خلت نعمة الأكل في هذا السياق عما دعا إليه سياق البقرة من التعقيب وهو الاستعطاف ، ذكرت بالواو الدالة على مطلق الجمع ، وهي لا تنافي تلك ، فقال :
وَكُلُوا مِنْها
أي القرية
حَيْثُ شِئْتُمْ
وأسقط الرغد لذلك ، وقدم
وَقُولُوا حِطَّةٌ
ليكون أول قارع للسمع مما أمروا به من العبادة مشعرا بعظيم ما تحملوه من الآثام ، إيذانا بما سيقت له هذه القصص في هذه السورة من المقام . ولما أمروا بالحطة قولا ، أمروا أن يشفعوها بفعل ، لتحط عنهم ذنوبهم ، ولا ينافي التقديم هنا التأخير في البقرة ، لأن الواو لا ترتب ، فقال :
وَادْخُلُوا الْبابَ
أي باب بيت المقدس حال كونكم
سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ
ولما كان السياق هنا لبيان إسراعهم في الكفر ، ناسب ذلك جمع الكثرة في قوله : خطاياكم في قراءة أبي عمرو ، وأما قراءة ابن عامر خطيتكم بالإفراد وقراءة غيرهما
خَطِيئاتِكُمْ
جمع قلة فللإشارة إلى أنها قليل في جنب عفوه تعالى ، وكذا بناء ( تغفر ) للمجهول تأنيثا وتذكيرا ، كل ذلك ترجية لهم واستعطافا إلى التوبة ، ولذلك ساق سبحانه ما بعده مساق السؤال لمن كأنه قال : هذا الرجاء قد حصل ، فهل مع المغفرة من كرامة ؟ فقال :
سَنَزِيدُ
أي بوعد لا خلف فيه عن قريب ، وهو لا ينافي إثبات الواو في البقرة
الْمُحْسِنِينَ *
أي العريقين في هذا الوصف ، وللسياق الذي وصفت قيد قوله :
فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا
بقوله :
مِنْهُمْ
لئلا يتوهم أنهم من الدخلاء فيهم
قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي .
ولما كان من المعلوم أن القائل من له إلزامهم ، بناه للمجهول فقال :
قِيلَ لَهُمْ
وقال :
فَأَرْسَلْنا
أي بما لنا من العظمة
عَلَيْهِمْ
بالإضمار تهويلا لاحتمال العموم بالعذاب
رِجْزاً مِنَ السَّماءِ
ولفظ الظلم - في قوله :
بِما كانُوا يَظْلِمُونَ *
بما يقتضيه من أنهم لا ينفكون عن الكون في الظلام إما مطلقا وإما مع تجديد فعل فعل من
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 139 | ابراهيم بن عمر البقاعي / عبد الرزاق غالب المهدي