هو فيه - أهول من لفظ الفسق المقتضي لتجديد الخروج مما ينبغي الاستقرار فيه ، كما أن لفظ الإرسال المعدى ب ( على ) كذلك بالنسبة إلى لفظ الإنزال .
ولما فرغ من هتك أستارهم فيما عملوه أيام موسى عليه السّلام وما يليها ، أتبعه خزيا آخر أشد مما قبله ، كان بعد ذلك بمدة لا يعلمه أحد إلا من جهتهم أو من اللّه ، وإذا انتفى الأول ثبت الثاني ، فقال :
وَسْئَلْهُمْ
أي بني إسرائيل مبكتا لهم ومقررا
عَنِ الْقَرْيَةِ
أي البلد الجامع
الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ
أي على شاطئه وهي أيلة ، ولعله عبر بالسؤال ، ولم يقل : وإذ تعدو القرية التي - إلى آخره ، ونحو ذلك ، لأن كراهتهم للاطلاع على هذه الفضيحة أشد مما مضى ، وهي دليل على الصرف والصدق . ولما كان السؤال عن خبر أهل القرية قال مبدلا بدل اشتمال من القرية :
إِذْ
أي حين
يَعْدُونَ
أي يجوزون الحد الذي أمرهم اللّه به
فِي السَّبْتِ إِذْ
أي العدو حين
تَأْتِيهِمْ
وزاد في التبكيت بالإشارة إلى المسارعة في الكفر بالإضافة في قوله :
حِيتانُهُمْ
إيماء إلى أنها مخلوقة لهم ، فلو صبروا نالوها وهم مطيعون ، كما في حديث جابر رضي اللّه عنه رفعه « بين العبد وبين رزقه حجاب ، فإن صبر خرج إليه ، وإلا هتك الحجاب ولم ينل إلا ما قدر له » « 1 »
يَوْمَ سَبْتِهِمْ
أي الذي يعظمونه بترك الاشتغال فيه بشيء غير العبادة
شُرَّعاً
أي قريبة مشرفة لهم ظاهرة على وجه الماء بكثرة ، جمع شارعة وشارع أي دان
وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ
أي لا يكون سبت ، ولعله عبر بهذا إشارة إلى أنهم لو عظموا الأحد على أنه سبت جاءتهم فيه ، وهو من : سبتت اليهود - إذا عظمت سبتها
لا تَأْتِيهِمْ
أي ابتلاء من اللّه لهم ، ولو أنهم صبروا أزال اللّه هذه العادة فأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم .
ولما كان هذا بلاء عظيما ، قال مجيبا لسؤال من كأنه قال لشدة ما بهره من هذا الأمر : هل وقع مثل هذا ؟ مشيرا إلى أنه وقع ، ولم يكتف به ، بل وقع لهم أمثاله لإظهار ما في عالم الغيب منهم إلى عالم الشهادة :
كَذلِكَ
أي مثل هذا البلاء العظيم
نَبْلُوهُمْ
أي نجدد اختبارهم كل قليل
بِما
أي بسبب ما
كانُوا
أي جبلة وطبعا
يَفْسُقُونَ *
أي يجددون في علمنا من الفسق ، وهو الخروج مما هو أهل للتوطن من الطاعات .
[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 164 إلى 167 ]
وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ( 164 ) فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ( 165 ) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ ( 166 ) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ( 167 )
هامش
( 1 ) أخرجه الديلمي في الفردوس 2162 من حديث جابر وفيه مجاهيل .