تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 136

مساهمون:

ص١٣٦
ولما كان أقرب الفروع الأصلية إليه الرسالة قال :
وَرَسُولِهِ
أي لأنه رسوله ؛ ثم وصفه بما دل على قربه فقال :
النَّبِيِّ
أي الذي يخبره بما يريد من الأمور العظيمة غيبا وشهادة ، ويعليه عن كل مخلوق بإخباره بإرساله ؛ ولما كان علوه على كل عالم - مع أنه لم يتعلم من آدمي - أدل شيء على صدقه قال :
الْأُمِّيِّ
أي الذي هو - مع كونه لا يحسن كتابة ولا قراءة ، بل هو على الفطرة الأولى السليمة التي لم يخالطها هوى ، ولا دنسها حظ ولا شهوة - بحيث يؤم ويقصد للاقتداء به ، لما حوى من علوم الدنيا والآخرة والتخلق بأوصاف الكمال . ولما أشار بهذه الصفة إلى أن سبب الإيمان الخلاص من الهوى بالكون على الفطرة الأولى ، قال منبها على وجوب الإيمان به ، لكونه أول فاعل لما يدعو إليه :
الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ
أي لأجل ما يقتضيه ذاته سبحانه من التعبد له لما له من العظمة ، فكلما تجدد له علم من علوم الذات بحسب ترقيه في رتب الكمال من رتبة كاملة إلى أكمل منها إلى ما لا نهاية له ، جدد له إيمانا بحسبه ، لا تعتريه غفلة ولا يخالطه سهو ولا شائبة فتور
وَكَلِمَتُهُ
كذلك أيضا ، كلما تجدد له علم بصفة منها جدد لها إيمانا ، ومنها المعجزات التي جرت على يديه ، كل واحدة منها كلمة لأن ظهوره بالكلمة ، كما سمى عيسى عليه الصلاة والسّلام كلمة لذلك . ولما تقرر أنه امتثل ما أمر به ، فثبتت بذلك رسالته ، استحق أن يكون قدوة فقال :
وَاتَّبِعُوهُ
أي في كل ما يقول ويفعل مما ينهى عنه أو يأمر به أو يأذن فيه
لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ *
أي ليكون حالكم حال من يرجى له حصول ما سأل في الفاتحة من الاهتداء ، أي خلق الهداية في القلب مع دوامه . ولما كثر عد مثالب بني إسرائيل ، وختم بتخصيص المتبع لهذا النبي الكريم بالهداية والرحمة المسببة عنها ، وكان فيهم المستقيم على ما شرعه له ربه ، المتمسك بما لزمه أهل طاعته وحزبه ، سواء كان من صفات النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أو غيرها ، مع الإذعان لذلك كله ؛ نبه عليه عائدا إلى تتميم أخبارهم ، ثم ما وقع في أيام موسى عليه السّلام وبعدها من شرارهم ، تعزية لهذا النبي الكريم وتسلية ، وتطييبا لنفسه الزكية وتأسية ، وهو مع ما بعده من أدلة
سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ
[ الأعراف : 146 ] فقال تعالى عاطفا على
وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ
[ الأعراف : 148 ]
وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ
أي قوم يستحقون أن يؤموا لأنهم لا يتكبرون في الأرض بغير الحق ، بل
يَهْدُونَ
أي يوقعون الهداية وهي البيان
بِالْحَقِّ وَبِهِ
أي خاصة
يَعْدِلُونَ *
أي يجعلون القضايا المختلفة المتنازع فيها
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 136 | ابراهيم بن عمر البقاعي / عبد الرزاق غالب المهدي