تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 104

مساهمون:

ص١٠٤
التعقيب
عَلى قَوْمٍ
أي ذوي قوة ، قيل : كانوا من لخم
يَعْكُفُونَ
أي يدورون ويتحلقون ملازمين مواظبين
عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ
أي لا قوة فيها ولا نفع ، فهم في عكوفهم عليها مثل في الغباوة ، وقيل : إنها كانت تماثيل بقر ، وكان ذلك أول أمر العجل . ولما أخبر سبحانه بذلك ، علم السامع أنهم بين أمرين : إما شكر وإما كفر ، فتشوف إلى ما كان منهم ، فأجاب سبحانه سؤاله بقوله :
قالُوا
أي لم يلبث ذكرهم لما أراهم سبحانه من عظمته وشكرهم لما أفاض عليهم من نعمته إلا ريثما أمنوا من عدوهم بمجاوزتهم البحر وإغراقهم فيه حتى طلبوا إلها غيره بقولهم :
يا مُوسَى
سموه كما ترى باسمه جفاء وغلظة اعتمادا على ما عمهم من بره وحلمه غير متأدبين بما بهرهم من جلالة حظه من اللّه وقسمه
اجْعَلْ لَنا إِلهاً
أي شيئا نراه ونطوف به تقيدا بالوهم
كَما لَهُمْ آلِهَةٌ
وهذا منهم قول من لا يعد الإله - الذي فعل معهم هذه الأفاعيل - شيئا ، ولا يستحضره بوجه . ولما كان هذا منهم عظيما ، استأنف جواب من تشوف إلى قول موسى عليه السّلام لهم ما هو بقوله :
قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ
أي ذوو قيام في شهوات النفوس ، وقال :
تَجْهَلُونَ *
مضارعا إشعارا بأن ذلك منهم كالطبع والغريزة ، لا ينتقلون عنه في ماض ولا مستقبل ، واعلم أنه لا تكرير في هذه القصص فإن كل سياق منها لأمر لم يسبق مثله فالمقصود من قصة موسى عليه السّلام وفرعون - عليه اللعنة والملام - هذا الاستدلال الوجودي على قوله
وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ
[ الأعراف : 102 ] ومن هنا تعلم أن سياق قصة بني إسرائيل بعد الخلاص من عدوهم لبيان إسراعهم في الكفر ونقضهم للعهود ، واستمر سبحانه في هذا الاستدلال إلى آخر السورة ، وما أنسب
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ
[ الأعراف : 172 ] الآية ، لقوله
وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ
[ الأعراف : 102 ] وذكر في أول التي تليها تنازعهم في الأنفال تحذيرا لهم من أن يكونوا من الأكثر المذمومين في هذه ، هذا بخلاف المقصود من سياق قصص بني إسرائيل في البقرة فإنه هناك للاستجلاب للإيمان بالتذكير بالنعم ، لأن ذلك في سياق خطابه سبحانه لجميع الناس بقوله :
اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ
[ البقرة : 21 ]
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ
[ البقرة : 28 ] وما شاكله من الاستعطاف بتعداد النعم ودفع النقم - واللّه أعلم . ولما استفيد من كلامه لهم غاية الإنكار عليهم ، علل هذا الإنكار بقوله :
إِنَّ هؤُلاءِ
أي القوم
مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ
أي مكسر مفتت مهلك على وجه المبالغة ، وإذا