ليلها ونهارها ، أدرك من فمه خلوفا فاستاك ، فأعلمه اللّه أنه قد أفسد ريح فمه ، وأمره بصيام عشرة أيام أخرى و - هي عشر ذي الحجة ليرجع ما أزاله من ذلك ، وذلك لأن موسى عليه السّلام كان وعد بني إسرائيل - وهو بمصر - أنه إذا أهلك سبحانه عدوهم ، أتاهم بكتاب من عنده فيه بيان ما يأتون وما يذرون ، فلما أهلك اللّه عدوهم سأل موسى عليه السّلام الكتاب ، فأمره بصوم ثلاثين يوما ثم أمره بالعشر .
ولما كان من الممكن أن يكون الثلاثون هي النهاية ، وتكون مفصلة إلى عشرين ثم عشر ، أزال هذا الاحتمال - بقوله :
فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ
أي الذي قدره في الأزل لأن يناجيه بعده - بالفاء
أَرْبَعِينَ
ولما كانت العشر غير صريحة في الليالي ، قال :
لَيْلَةً
فانتفى أن تكون ساعات مثلا ، وعبر بالميقات لأنه ما قدر فيه عمل من الأعمال ، وأما الوقت فزمان الشيء سواء كان مقدرا أم لا ، وعبر بالرب إشارة إلى اللطف به والعطف عليه والرحمة له ، والميقات هو الأربعون - قاله الفارسي في الحجة ، وقدر انتصاب أربعين ب « معدودا هذا العدد » كما تقول : تم القوم عشرين ، أي معدودين هذا العدد وأجمل سبحانه الأربعين في البقرة لأن المراد بذلك السياق تذكيرهم بالنعم الجسام والمتّ إليهم بالإحسان والإكرام ، ليكون ذلك أدعى إلى رجوعهم إلى الإيمان وأمكن في نزوعهم عن الكفران بدليل ما سبق قصتهم من قوله :
يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ
[ البقرة : 21 ]
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ
[ البقرة : 28 ] وما اكتنفها أولا وآخرا من قوله :
يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ
[ البقرة : 40 ] الآيتين المبدوء بها والمختوم بها ، وفصل هنا الأربعين إلى ثلاثين وعشر ، لأن المراد بهذا السياق - كما تقدم - بيان كفرهم ومرودهم على خزيهم ومكرهم وأنه لم ينفعهم سؤال المعجزات ، ولا أغنى عنهم شيئا تواتر النعم والآيات ، كما كان ذلك في قصص الأمم الخالية والقرون الماضية ممن ذكر في هذه الصورة استدلالا - كما تقدم - على أن المفسد أكثر من المصلح - إلى غير ذلك مما أجمل في قوله تعالى :
وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها
[ الأعراف : 94 ] إلى آخره ، وتسلية لهذا النبي الكريم وترهيبا لقومه لما وقع لهم من العقاب الأليم ، والفصل بين السياقين يدق إلا عن أولي البصائر - واللّه أعلم ، فيكون المراد بتفصيل الأربعين هنا بيان أن إبطاء موسى عليه السّلام عما علموه من الميعاد إنما كان لعشرة أيام ، فارتكبوا فيها هذه الجريمة التي هي أعظم الجرائم ، وأشار تعالى إلى عظيم جرأتهم وعراقتهم في السفه بقوله عاطفا على
واعَدْنا :
وَقالَ مُوسى
أي لما وأعدناه
لِأَخِيهِ
ثم بينه تصريحا باسمه فقال :
هارُونَ اخْلُفْنِي
أي كن خليفتي فيهم تفعل ما كنت أفعل ، وأكد الارتسام بما يجده له بقوله :
فِي قَوْمِي