تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 537

مساهمون:

ص٥٣٧
تعذر زواله ، فقال :
وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ
أي تعاطيهما لأن الخمر تزيل العقل ، فيزول المانع من إظهار الكامن من الضغائن والمناقشة والمحاسدة ، فربما أدى ذلك إلى حروب طويلة وأمور مهولة ، والميسر يذهب المال فيوجب ذلك الإحنة على من سلبه ماله ونغص عليه أحواله . ولما ذكر ضررهما في الدنيا ، ذكر ضررهما في الدين فقال :
وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ
أي الملك الأعظم الذي لا إله لكم غيره ولا كفوء له ، وكرر الجار تأكيدا للأمر وتغليظا في التحذير فقال :
وَعَنِ الصَّلاةِ
أما في الخمر فواضح ، وأما في الميسر فلأن الفائز ينسى ببطر الغلبة ، والخائب مغمور بهمه ، وأعظم التهديد بالاستفهام والجملة الاسمية الدالة على الثبات بعد التأكيد بالحصر والضم إلى فعل الجاهلية وبيان الحكم الداعية إلى الترك والشرور المنفرة عن الفعل فقال :
فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ *
أي قبل أن يقع بكم ما لا تطيقون . ولما كان ذلك مألوفا لهم محبوبا عندهم ، وكان ترك المألوف أمرّ من ضرب السيوف ، أكد دعوتهم إلى اجتنابه محذرا من المخالفة بقوله عاطفا على ما تقديره : فانتهوا :
وَأَطِيعُوا اللَّهَ
أي الملك الأعلى الذي لا شريك له ولا أمر لأحد سواه ، أي فيما أمركم به من اجتناب ذلك ، وأكد الأمر بإعادة العامل فقال :
وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ
أي الكامل في الرسلية في ذلك ، وزاد في التخويف بقوله :
وَاحْذَرُوا
أي من المخالفة ، ثم بلغ الغاية في ذلك بقوله :
فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ
أي بالإقبال على شيء من ذلك ، وأشار بصيغة التفعل إلى أن ذلك إنما يعمل بمعالجة من النفس للفطرة الأولى ، وعظم الشأن في ابتداء الجزاء بالتنبيه بالأمر بالعلم فقال :
فَاعْلَمُوا
أنكم لم تضروا إلا أنفسكم ، لأن الحجة قد قامت عليكم ، ولم يبق على الرسول شيء لأنكم علمتم
أَنَّما عَلى رَسُولِنَا
أي البالغ في العظمة مقدارا يجل عن الوصف بإضافته إلينا
الْبَلاغُ الْمُبِينُ *
أي البين في نفسه الموضح لكل من سمعه ما يراد منه لا غيره ، فمن خالف فلينظر ما يأتيه من البلاء من قبلنا ، وهذا ناظر إلى قوله :
بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ
[ المائدة : 67 ] فكأنه قيل : ما عليه إلا ما تقدم من إلزامنا له به من البلاغ ، فمن اختار لنفسه المخالفة كفر ، واللّه لا يهدي من كان مختارا لنفسه الكفر .

[ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 93 إلى 94 ]

لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ( 93 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 94 )