العظيم الشأن
يُبَيِّنُ اللَّهُ
أي على ما له من العظمة
لَكُمْ آياتِهِ
أي أعلام شريعته وأحكامه على ما لها من العلو بإضافتها إليه .
ولما اشتمل ما تقدم من الأحكام والحكم والتنبيه والإرشاد والإخبار بما فيها من الاعتبار على نعم جسيمة وسنن جليلة عظيمة ، ناسب ختمها بالشكر المربى لها في قوله على سبيل التعليل المؤذن بقطعها إن لم توجد العلة :
لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ *
أي يحصل منكم الشكر بحفظ جميع الحدود الآمرة والناهية .
[ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 90 إلى 92 ]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 90 ) إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ( 91 ) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ( 92 )
ولما تم بيان حال المأكل وكان داعية إلى المشرب ، احتيج إلى بيانه ، فبين تعالى المحرم منه . فعلم أن ما عداه مأذون في التمتع به ، وذلك محاذ في تحريم شيء مقترن باللازم بعد إحلال آخر لما في أول السورة من تحريم الميتة وما ذكر معها بعد إحلال بهيمة الأنعام وما معها ، فقال تعالى مذكرا لهم بما أقروا به من الإيمان الذي معناه الإذعان :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
أي أقروا به . ونبههم على ما يريد العدو بهم من الشر بقوله تعالى :
إِنَّمَا الْخَمْرُ
وهي كل ما أسكر سواء فيه قليله وكثيره ، وأضاف إليها ما وأخاها في الضرر دينا ودنيا وفي كونه سببا للخصام وكثرة اللغط المقتضي للحلف والإقسام تأكيدا لتحريم الخمر بالتنبيه على أن الكل من أفعال الجاهلية ، فلا فرق بين شاربها والذابح على النصب والمعتمد على الأزلام فقال :
وَالْمَيْسِرُ
أي الذي تقدم ذكره في البقرة
وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ
المتقدم أيضا ذكرهما أول السورة ، والزلم : القدح لا ريش له - قاله البخاري ؛ وحكمة ترتيبها هكذا أنه لما كانت الخمر غاية في الحمل على إتلاف المال ، قرن بها ما يليها في ذلك وهو القمار ، ولما كان الميسر مفسدة المال ، قرن به مفسدة الدين وهي الأنصاب ، ولما كان تعظيم الأنصاب شركا جليا إن عبدت ، وخفيا إن ذبح عليها دون عبادة ، قرن بها نوعا من الشرك الخفي وهو الاستقسام بالأزلام : ثم أمر باجتناب الكل إشارة وعبارة على أتم وجه فقال :
رِجْسٌ
أي قذر أهل لأن يبعد عنه بكل اعتبار حتى عن ذكره سواء كان عينا أو معنى ، وسواء كانت الرجسية في الحس أو المعنى ، ووحد الخبر للنص على الخمر والإعلام بأن أخبار الثلاثة حذفت وقدرت ، لأنها أهل لأن يقال في كل واحد منها على حدتها كذلك ، ولا