ولما بدأ بالتقوى وهي خوف اللّه الحامل على البعد عن المحرمات ، ذكر أساسها الذي لا تقبل إلا به فقال :
وَآمَنُوا
ولما ذكر الإقرار باللسان ، ذكر مصداقه فقال :
وَعَمِلُوا
أي بما أداهم إليه اجتهادهم بالعلم لا اتفاقا
الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا
أي فاجتنبوا ما جدد عليهم تحريمه
وَآمَنُوا
أي بأنه من عند اللّه ، وأن اللّه له أن يمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء ، وهكذا كلما تكرر تحريم شيء كانوا يلابسونه .
ولما كان قد نفى الجناح أصلا ورأسا ، شرط الإحسان فقال :
ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا
أي لازموا التقوى إلى أن أوصلتهم إلى مقام المراقبة ، وهي الغنى عن رؤية غير اللّه ، فأفهم ذلك أن من لم يبلغ رتبة الإحسان لا يمتنع أن يكون عليه جناح مع التقوى والإيمان ، يكفر عنه بالبلايا والمصائب حتى ينال ما قدر له مما لم يبلغه عمله من درجات الجنان ، ومما يدل على نفاسة التقوى وعزتها أنه سبحانه لما شرطها في هذا العموم ، حث عليها عند ذكر المأكل بالخصوص - كما مضى فقال « واتقوا اللّه الذي أنتم به مؤمنون » ، وهذا في غاية الحث على التورع في المأكل والمشرب وإشارة إلى أنه لا يوصل إلى مقام الإحسان إلا به - واللّه الموفق ؛ ولما كان التقدير : فإن اللّه يحب المتقين المؤمنين ، عطف عليه قوله :
وَاللَّهُ
أي الذي له صفات الكمال
يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ .
ولما ذكر ما حرم من الطعام في كل حال ، وكان الصيد ممن حرم في بعض الأوقات ، وكان من أمثل مطعوماتهم ، وكان قد ذكر لهم بعض أحكامه عقب قوله :
أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ
و
أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ
أخذ هنا في ذكر شيء من أحكامه ، وابتدأها - لأنهم خافوا على من مات منهم على شرب الخمر قبل تحريمها بأنه يبتليهم لتمييز الورع منهم من غيره - بالصيد في الحال التي حرمه عليهم فيها كما ابتلى إسرائيل في السبت ، فكان ذلك سببا لجعلهم قردة ، ومنّ سبحانه على الصحابة من هذه الأمة بالعصمة عند بلواهم بيانا لفضلهم على من سواهم ، فقال تعالى مناديا لهم بما يكفّهم ذكره عن المخالفة :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
أي أوقعوا الإيمان ولو على أدنى وجوهه ، فعم بذلك العالي والداني
لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ
أي يعاملكم معاملة المختبر في قبولكم تحريم الخمر وغيره المحيط بكل شيء قدرة وعلما ، وذكر الاسم الأعظم إشارة بالتذكير بما له من الجلال إلى أن له أن يفعل ما يشاء ، وأشار إلى تحقير البلوى تسكينا للنفوس بقوله :
بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ
أي الصيد في البر في الإحرام ، وهو ملتفت إلى قوله :
هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ
[ المائدة : 60 ] وشارح لما ذكر أول السورة في قوله
غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ،
وما ذكر بعد المحرمات من قوله :
فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ
[ المائدة : 4 ] ، ووصف المبتلى به بوصف هو من أعلام النبوة فقال :
تَنالُهُ