تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
عليه داعيتان إليه : إحداهما أخروية وهي النعيم للمطيع والعذاب للعاصي ، والأخرى دنيوية وهي مخالفة الأعداء ، فإنهم ما يودون أن ينزل عليكم شيء لكم فيه خير فضلا عن أن تمتثلوه ، ومخالفة الأعداء من الأغراض العظيمة للمتمكنين في الأخلاق الفاضلة من ذوي الأدوات الكاملة ، ولم يعطف
ما يَوَدُّ
لأنه مع ذلك علة للعلة ، فكأنه قيل : لهم عذاب أليم لأنهم يودون لكم خيرا ؛ فسماعكم من جملة عذابهم ، لأنه واقع على خلاف ودادتهم مع ما يدخر لهم في الآخرة بكفرهم وتمنيهم كفركم ، ولا يخفى ما فيها وفي التي بعدها من التحريض على الكتاب الذي لا ريب فيه . ولما بين سبحانه ما يودون أتبعه التعريف بأن له التصرف التام ، رضي من رضي وسخط من سخط فقال معلقا الأمر بالاسم الأعظم الجامع :
وَاللَّهُ
أي ما يودون والحال أن ذا الأسماء الحسنى
يَخْتَصُّ
ولما كان المنزل أتم الرحمة عبر عنه بقوله :
بِرَحْمَتِهِ
التي وسعت كل شيء من الهداية والعلم وغير ذلك
مَنْ يَشاءُ
أي يجعله مختصا أي منفردا بها من بين الناس ، ولو كان عند غيره بمحل الاحتقار كما كان العرب عند بني إسرائيل لما كانوا يرون من جهلهم وضلالهم وجفائهم واختلال أحوالهم ؛ و « الاختصاص » عناية تعين المختص لمرتبة ينفرد بها دون غيره ، و « الرحمة » نحلة « 1 » ما يوافي المرحوم في ظاهره وباطنه ، أدناه كشف الضر وكف الأذى ، وأعلاه الاختصاص برفع الحجاب - قاله الحرالي . ولما كان ذلك ربما أوهم أنه إذا فعله لم يبق من رحمته ما يسع غير المختص نفاه بقوله مصدرا له بالاسم الأعظم أيضا عاطفا على ما أفهمه الاختصاص من نحو أن يقال تعريضا باليهود : فاللّه بمن يزوي عنه الرحمة عليم
وَاللَّهُ
أي الملك الأعلى الذي له جميع العظمة والرحمة فلا كفؤ له
ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
أي الذي لا يحصر بحد ولا يدخل تحت عد .

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 106 إلى 109 ]

ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 106 ) أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ( 107 ) أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ ( 108 ) وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 109 )
هامش
( 1 ) النّحل بالضم : مصدر نحله ينحله بالفتح نحلا أي أعطاه والنّحلى العطيّة .