تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 215

مساهمون:

ص٢١٥
وهو نمط من الخطاب علي خفي المنحى ، لم يكد يتضح معناه لأكثر العلماء إلا للأئمة من آل محمد صلّى اللّه عليه وسلّم لخفاء الفرقان بين ما شأنه المعاقبة وما شأنه المداولة . ومن أمثاله ما وقع في النسء من نهي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن لحوم الأضاحي « 1 » فتقبله الذين آمنوا نسخا ، وإنما كان إنساء وتأخيرا لحكم الاستمتاع بها بعد ثلاث إلى وقت زوال الدافّة التي كانت دفت عليهم من البوادي ، فلم يلقن ذلك عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حتى فسره فقال : « إنما نهيتكم من أجل الدافة » « 2 » ، ففي متسع فقهه أن أحكاما تؤخر فتشابه النسخ من وجه ثم تعاد فتخالفه من هذا الوجه من حيث إن حكمة المنسوخ منقطعة وحكمة المنسء متراجعة . ومنه المقاتلة للعدو عند وجدان المنة والقوة والمهادنة عند الضعف عن المقاومة هو من أحكام المنسء ، وكل ما شأنه أن يمتنع في وقت لمعنى مّا ثم يعود في وقت لزوال ذلك المعنى فهو من المنسء الذي أهمل علمه أكثر الناظرين وربما أضافوا أكثره إلى نمط النسخ لخفاء الفرقان بينهما ؛ فبحق أن هذه الآية من جوامع آي الفرقان ، فهذا حكم النسء والإنساء وهو في العلم بمنزلة تعاقب الفصول بما اشتملت عليه من الأشياء المتعاقبة في وجه المتداولة في الجملة . قلت : وحاصله تأخير الحل كما ذكر أو الحرمة كما في المتعة ونحو ذلك إلى وقت آخر وذلك هو مدلول النسء على ما كانت العرب تتعارفه كما سيأتي تحريره في سورة براءة عند
إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ
[ التوبة : 37 ] قال : وأما النسيان والتنسية فمعناه أخفى من النسيء وهو ما يظهره اللّه من البيانات على سبيل إدخال النسيان على من ليس شأنه أن ينسء كالسنن التي أبداها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن تنسيته
هامش
( 1 ) صحيح . أخرجه مسلم 1971 وأبو داود 2812 والنسائي 7 / 235 والدارمي 2 / 79 ومالك 2 / 484 ، 485 والبيهقي 9 / 293 والطحاوي 4 / 188 وأحمد 6 / 51 كلهم من حديث عائشة بألفاظ متقاربة . ولفظ مسلم « نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث قال عبد اللّه بن أبي بكر : فذكرت ذلك لعمرة فقالت : صدق سمعت عائشة تقول : دفّ أهل أبيات من أهل البادية حضرة الأضحى زمن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : ادخروا ثلاثا ، ثم تصدقوا بما بقي فلما كان بعد ذلك قالوا : يا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إن الناس يتخذون الأسقية من ضحاياهم ، ويجملون منها الودك ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وما ذاك قالوا : نهيت أن تؤكل لحوم الضحايا بعد ثلاث فقال : إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت ، فكلوا ، وادخروا ، وتصدقوا » . وورد من طريق آخر أخرجه البخاري 5423 ، 5438 ، 6687 والنسائي 7 / 235 ، 236 والبيهقي 9 / 292 والبغوي 1134 وأحمد 6 / 127 ، 128 ، 187 كلهم من طريق عبد الرحمن بن عابس عن أبيه قال : « قلت لعائشة : أنهى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن تؤكل لحوم الأضاحي فوق ثلاث ؟ قالت : ما فعله إلا في عام جاع الناس فيه ، فأراد أن يطعم الغني الفقير ، وإن كنا لنرفع الكراع ، فنأكله بعد خمس عشرة قيل : ما اضطركم إليه ؟ فضحكت قالت : ما شبع آل محمد صلّى اللّه عليه وسلّم من خبز برّ ثلاثة أيام حتى لحق باللّه » هذا لفظ البخاري . ( 2 ) تقدم في الحديث الذي قبله .