تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 209

مساهمون:

ص٢٠٩
ولما كان هذا الذي تقدم وإن كان للعامل به نفع على زعمه فضره أكبر من نفعه اتبعه قسما آخر ليس للعامل به شيء غير الضر ؛ فليس الحامل على تعلمه إلا إيثارا للحاق بإبليس وحزبه فقال :
وَيَتَعَلَّمُونَ ،
أي من السحر الذي ولده الشياطين لا من الملكين
ما يَضُرُّهُمْ
لأن مجرد العمل به كفر أو معصية ثم حقق أنه ضرر كله لا شائبة للنفع فيه بقوله :
وَلا يَنْفَعُهُمْ
لأنه لا تأثير له أصلا ، والنفع وصول موافق الجسم الظاهر وما يتصل به في مقابلة الضر ، ولذلك يخاطب به الكفار كثيرا لوقوع معنيهما في الظاهر الذي هو مقصدهم من ظاهر الحياة الدنيا - قاله الحرالي . ثم أتبعه ما يعرف أنهم ارتكبوه على علم فقال محققا مؤكدا :
وَلَقَدْ عَلِمُوا ،
بيانا لأنهم أسفه الناس
لَمَنِ اشْتَراهُ
أي آثره على ما يعلم نفعه من الإيمان
ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ
الباقية الباقي نفعها
مِنْ خَلاقٍ
أي نصيب موافق أصلا ، والخلاق الحظ اللائق لمن يقسم له النصيب من الشيء كأنه موازن به خلق نفسه وخلق جسمه - قاله الحرالي . ثم جمع لهم المذامّ على وجه التأكيد فقال :
وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا ،
أي باعوا على وجه اللجاجة
بِهِ أَنْفُسَهُمْ
إشارة إلى أنه مما أحاط بهم فاجتثت نفوسهم من أصلها فأوجب لهم الخلود في النار ، ثم قال بعد إثبات العلم لهم :
لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ،
أي لو كان لهم قابلية لتلقي واردات الحق ، إشارة إلى أن هذا لا يقدم عليه من له أدنى علم ، فعلمهم الذي أوجب لهم الجرأة على هذا عدم بل العدم خير منه . ولما بين ما عليهم فيما ارتكبوه من المضار اتبعه ما في الإعراض عنه من المنافع فقال :
وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا
أي بما دعوا إليه من هذا القرآن ، ومن اعتقاد أن الفاعل في كل شيء إنما هو اللّه لا السحر
وَاتَّقَوْا
ما يقدح في الإيمان من الوقوف مع ما كان حقا فنسخ من التوراة فصار باطلا ، ومن الإقدام على ما لم يكن حقا أصلا من السحر لأثيبوا خيرا مما تركوا ، لأن من ترك شيئا للّه عوضه اللّه خيرا منه ؛ هكذا الجواب ولكنه عبر عنه بما يقتضي الثبوت والدوام والشرف إلى غير ذلك مما يقصر عنه الأذهان من بلاغات القرآن فقال :
لَمَثُوبَةٌ
صيغة مفعلة من الثواب وهو الجزاء بالخير ، وفي الصيغة إشعار بعلو وثبات - قاله الحرالي ، وشرفها بقوله :
مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
الذي له جميع صفات الكمال ، وزادها شرفا بقوله :
خَيْرٌ ،
مع حذف المفضل عليه . قال الحرالي : وسوى بين هذه المثوبة ومضمون الرسالة في كونهما من عند اللّه تشريفا لهذه المثوبة وإلحاقا لها بالنمط العلي من علمه وحكمته ومضاء كلمته - انتهى . وهذه المثوبة عامة لما يحصل في الدنيا والأخرى من الخيرات التي منها ما يعطيه اللّه لصالحي عباده من التصرف بأسماء اللّه الحسنى على حسب ما تعطيه مفهوماتها من المنافع ، ومن ذلك واردات الآثار ككون
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 209 | ابراهيم بن عمر البقاعي / عبد الرزاق غالب المهدي