الفاتحة شفاء « 1 » وآية الكرسي حرز من الشيطان « 2 » ونحو ذلك من منافع القرآن والأذكار والتبرك بآثار الصالحين ونحوه .
ثم أكد الخبر بأن علمهم جهل بقوله :
لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ
وقال الحرالي : فيه إشعار برتبة من العلم أعلى وأشرف من الرتبة التي كانت تصرفهم عن أخذ السحر ، لأن تلك الرتبة تزهد في علم ما هو شر وهذه ترغب في منال ما هو خير ؛ وفيه بشرى لهذه الأمة بما في كيانها من قبول هذا العلم الذي هو علم الأسماء ومنافع القرآن يكون لهم عوضا من علم السيميا الذي هو باب من السحر ، وعساه أن يكون من نحو المنزل على الملكين ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « من اقتبس علما من النجوم اقتبس بابا من السحر ، زاد ما زاد » « 3 » .
وحقيقة السيميا أمر من أمر اللّه أظهر آثاره في العالم الأرضي على سبيل أسماء وأرواح خبيثة من مواطن الفتن في العلويات من النيرات والكواكب والصور ، وما أبداه منه في علوم وأعمال لا يثبت شيء منه مع اسمه تعالى ، بل يشترط في صحته إخلاؤه عن اسم اللّه وذكره والقيام بحقه وصرف التحنثات « 4 » والوجهة إلى ما دونه ، فهو لذلك كفر موضوع فتنة من اللّه تعالى لمن شاء أن يفتنه به ، حتى كانت فتنة اسم السيميا من هدى الاسم بمنزلة اسم اللات والعزى من هداية اسم اللّه العزيز ، وللّه كلية الخلق والأمر هدى وإضلالا إظهارا لكلمته الجامعة الشاملة لمتقابلات الأزواج التي منتهاها قسمة إلى دارين : دار نور رحماني من اسمه العزيز الرحيم ، ودار نار انتقامي من اسمه الجبار المنتقم
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ
[ الروم : 14 ] .
ولما جعل سبحانه من المضرة في السحر ونحوه كان من المثوبة لمن آمن واتقى
هامش
( 1 ) يشير المصنف لحديث « الفاتحة شفاء من كل داء » أخرجه الدارمي 2 / 425 .
وقال السيوطي في الدر المنثور 1 / 5 : أخرجه الدارمي والبيهقي في شعبه بسند رجاله ثقات عن عبد الملك بن عمير مرفوعا ا ه . وهو مرسل لأن ابن عمير هذا تابعي وهو ثقة كما قال الذهبي في الميزان .
( 2 ) لعل المصنف يشير إلى حديث أبي هريرة ، وقصته مع الشيطان وفيه : « فقال لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : ما فعل أسيرك البارحة ؟ قلت : يا رسول اللّه زعم أنه يعلّمني كلمات ينفعني اللّه بها ، فخلّيت سبيله قال : ما هي ؟ قلت : قال لي : إذا أويت إلى فراشك ، فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآيةاللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُوقال لي : لن يزال عليك من اللّه حافظ ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح ، وكانوا أحرص شيء على الخير ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : أما إنه قد صدقك ، وهو كذوب تعلم من تخاطب مذ ثلاث ليال يا أبا هريرة ؟ قال : لا قال : ذاك شيطان » . أخرجه البخاري 2311 وأطرافه في 3275 ، 5010 . والنسائي في الكبرى 10795 كلاهما من حديث أبي هريرة .
( 3 ) جيد . أخرجه أبو داود 3905 وابن ماجة 3726 وأحمد 1 / 277 ، 311 كلهم من حديث ابن عباس .
وقال النووي في رياض الصالحين 1671 : إسناده صحيح .
( 4 ) تحنّث : تعبدّ واعتزل الأصنام وتحنث أيضا من كذا أي تأثّم منه ا ه مختار .