المخلوقات - انتهى . أي ما وقع منه كفر ما فضلا عن أن يكون بالسحر الذي هو أبعد الأشياء عن آيات الأنبياء
وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا .
ثم بين كفرهم بقوله :
يُعَلِّمُونَ النَّاسَ
أي المضطرين الذين لم يصلوا إلى سنّ الذين آمنوا
السِّحْرَ
أي الذي ولدوه هم بما يزينونه من حاله ليعتقد أنه مؤثر بنفسه ونحو ذلك ، كما أن الأنبياء وأتباعهم يعلمون الناس الحق بما يبينونه من أمره . والسحر قال الحرالي : هو قلب الحواس في مدركاتها عن الوجه المعتاد لها في صحتها عن سبب باطل لا يثبت مع ذكر اللّه عليه . وقال الكرماني « 1 » : أمر خارق للعادة صادر عن نفس شريرة لا تتعذر معارضته . وقال الأصفهاني « 2 » : اختلفوا في تعلمه على ثلاثة أوجه :
أحدها أنه حرام ، الثاني أنه مكروه ، الثالث أنه مباح ، والحق أنه إن كان تعلمه للعمل فهو حرام ، وإن كان لتوقيه وعدم الاغترار به فهو مباح ، وقال : والمراد بالسحر ما يستعان في تحصيله بالتقرب إلى الشيطان مما لا يستقل به الإنسان ، وذلك لا يستتب إلا لمن يناسبه في الشرارة وخبث النفس ، فإن التناسب شرط في التضام والتعاون وبهذا يميز الساحر عن الولي والنبي ؛ وأما ما يتعجب منه كما يفعله أصحاب الحيل بمعونة الآلات والأدوية أو يريه صاحب خفة اليد فغير حرام ، وتسميته سحرا على التجوز لما فيه من الدقة ، لأنه في الأصل لما خفي سببه .
وقوله :
وَما ،
أي واتبعوا أو ويعلمون
ما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ
قال الحرالي :
فيه إنباء بأن هذا التخييل ضربان : مودع في الكون هو أمر الشياطين ، ومنزل من غيب هو المتعلم من الملكين ؛ وقال :
بِبابِلَ
تحقيقا لنزولهما إلى الأرض
هارُوتَ وَمارُوتَ
بدل من الملكين ، كأنهما لما كانا مع الحاجة إليهما لا يحتاجان إلى أحد وصفا أيضا بكونهما ملكين - بكسر اللام ، وعبارة الحرالي : ملكان جعلا ملكين في الأرض ، والآية من إظهار اللّه للملائكة أفضل الخليفة . ثم بين نصيحة الملكين بقوله :
وَما
فأنبأ أن التقدير : وما كفر الملكان كما كفر الشياطين فإنهما ما
يُعَلِّمانِ ،
وزيادة من في قوله :
مِنْ أَحَدٍ
لتأكيد الاستغراق
حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ
أي على صورة الاختبار من اللّه لعباده ، فإنه يعلم نبأ من يختار السحر لما فيه من النفع العاجل على أمر النبوة فيكفر ، ومن يعلم حقيقته لئلا يقع فيه وهو لا يشعر ثم يتركه إقبالا على دين اللّه ؛ ووحد والمخبر عنه اثنان لأنها مصدر وهو لا يثنى ولا يجمع . قال الحرالي :
هامش
( 1 ) هو الإمام المفسر محمود بن حمزة بن نصر الكرماني له تصانيف منها لباب التفاسير توفي سنة : 500 تقريبا .
( 2 ) هو الإمام المفسر محمود بن عبد الرحمن الشافعي الأصفهاني توفي سنة : 749 .