القول في سورة النور
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
( 2 ) [ النور : 2 ] عام خص بالمكره ومن ليس بمكلف ونحوهم .
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ( 4 ) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
( 5 ) [ النور : 4 ، 5 ] هذا استثناء تقدمه جمل تصلح لرجوعه إليها ، وفيه وفي نظائره أقوال :
أحدها : يرجع إلى جميعها إلا لمانع ، وهو مذهب الشافعي وأحمد .
والثاني : يختص بالأخيرة فقط لقربها وحصول المقصود ، وهو تعليق الاستثناء بها ، وهو قول أبي حنفية / [ 305 / ل ] .
والثالث : أن رجوعه إلى الجميع وإلى الأخيرة وقد استعمل فهو مشترك بين الأمرين ، فالوقف على مرجح واجب ، وهو قول القاضي أبي بكر .
والرابع : الوقف لتردد الحال بينهما ، وهو قول الشريف المرتضى من الشيعة ، فهو وقف ترددي وما قبله اشتراكي ، وعلى هذا فاتفقوا في هذه الآية على أن القاذف إذا تاب لا يسقط الجلد عنه ؛ لأنه حق آدمي كالدين وعلى أن فسقه يزول ، واختلفوا في قبول شهادته فقبلها الشافعي وأحمد ردا لحكم الاستثناء إليها لصلاحيته لذلك من غير مانع بخلاف الجلد ؛ إذ كونه آدميّا مانعا من السقوط ، ولم يقبلها أبو حنيفة لاختصاص الاستثناء بزوال الفسق ، فلم يتعد إلى قبول الشهادة ، ووجهوه بأن استمرار رد شهادته عقوبة على جنايته فلم ترتفع كالجلد ، ولا يلزم من زوال الفسق قبول الشهادة ؛ لأنها قد ترد لمانع كشهادة الوالد لولده وعكسه والرجل على عدوه ونحوه ، ردت شهادتهم للمانع الخاص مع ثبوت العدالة ، فحاصله : أن قبول / [ 144 ب / م ] الشهادة هل يلحق بالجلد في استمراره أو بالفسق في زواله وهو أشبه ؛ لأن الظاهر أن المراد بهما شيء واحد ، وإنما عبر تارة باللازم ، وهو رد الشهادة وتارة بالملزوم ، وهو الفسق تعظيما للقضية وتقبيحا لها ، كما يقال : الذي يسرق فأقم عليه حده واقطعه ونكل به ، واحرمه الانتفاع بجارحته وكف عاديته عن الناس والكل واحد .