تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإشارات الالهية الى المباحث الاصولية ( تفسير القرآن العظيم ) — صفحة 453

مساهمون:

ص٤٥٣
العالم لا يكون غايته مجرد وجوده ثم عدمه بالكلية ؛ لأن مثل هذه الغاية تقصر عن مثل هذا الفعل العظيم ؛ فإذن للعالم غاية عظمى أعظم من مجرد وجوده ، وما ذاك إلا إعادته ثم إظهار أسرار الوجود فيه . وقد قرر هذا المعنى بوجهين : أحدهما : أن العالم ما بين مطيع يناسبه الثواب وعاص يناسبه العقاب ، وهذه الدار لا تصلح لثواب المطيع ولا لعقاب العاصي ؛ إذ لذاتها التي ارتبطت بها عقول الناس إنما هي دفع آلام لا لذات في الحقيقة كالأكل والشرب والنكاح إنما هي رفع ألم الجوع والعطش والشبق ، وحينئذ يجب عقلا أن يكون للناس دار ينالون فيها ثواب طاعاتهم ، وينالهم عقاب معاصيهم لذات وآلام حقيقية ، وهي الدار الآخرة وإليه الإشارة بقوله - عزّ وجل - :
كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ
( 185 ) [ آل عمران : 185 ] . الوجه الثاني : أن في الناس ظالما / [ 144 أ / م ] ومظلوما ، والظالم يناسبه العقاب على ظلمه عقلا ، ثم نرى كثيرا من الظالمين يخرج من الدنيا سالما موقرا لم تصبه قارعة ولم ترزأه رزية ، فدل على أن هناك دارا يستوفى منه فيها جزاء ظلمه ، وإليه الإشارة بما حكي عن ابن عباس أنه رأى جنازة ، فقال : من هذا ؟ قيل : فلان ، لرجل ظالم لم يصب في حياته بمكروه ، فقال ابن عباس : اللّه أكبر أشهد أن للناس معادا يؤخذ فيه للمظلوم من الظالم ، من الظالم ، أو كما قال .
وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ
( 117 ) [ المؤمنون : 117 ] ليس المراد أن ثم إلها آخر عليه برهان ، بل المراد أن إثبات آخر لا برهان عليه ، فمن ادعاه والحالة هذه فهو كافر تقليدا أو عنادا ، وحسابه عند ربه - عزّ وجل - ثم إنه لا يفلح . * * *
الإشارات الالهية الى المباحث الاصولية ( تفسير القرآن العظيم ) — صفحة 453 | سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصي الحنبلي