قوله عزّ وجلّ :
فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ
أي امتحنه
رَبُّهُ
أي بالنعمة
فَأَكْرَمَهُ
أي بالمال
وَنَعَّمَهُ
أي بما يوسع عليه
فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ
أي بما أعطاني من المال والنعمة .
[ سورة الفجر ( 89 ) : الآيات 16 إلى 21 ]
وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ ( 16 ) كَلاَّ بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ( 17 ) وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ ( 18 ) وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلاً لَمًّا ( 19 ) وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا ( 20 )
كَلاَّ إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا ( 21 )
وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ
يعني بالفقر
فَقَدَرَ عَلَيْهِ
أي فضيق عليه ، وقيل قتر .
رِزْقَهُ
أي وقد أعطاه ما يكفيه .
فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ
أي أذلني بالفقر ، قيل نزلت في أمية بن خلف الجمحي الكافر ، وقيل ليس المراد به واحدا بعينه ، بل المراد جنس الكافر ، وهو الذي تكون الكرامة والهوان عنده بكثرة المال والحظ في الدنيا وقلته فرد اللّه تعالى على من ظن أن سعة الرزق إكرام وأن الفقر إهانة فقال تعالى :
كَلَّا
أي ليس الأمر كذلك ، أي لم أبتله بالغنى لكرامته ، ولم أبتله بالفقر لهوانه ، فأخبر أن الإكرام والإهانة لا يدوران على المال ، وسعة الرزق وقلته ، ولكن الغنى والفقر بتقدير اللّه جلّ جلاله وحكمته فقد يوسع على الكافر لا لكرامته ، ويضيق على المؤمن لا لهوانه ، لكن لأمر اقتضته حكمة اللّه تعالى ، وإنما يكرم المرء بطاعته ، ويهينه بمعصيته ، وقد يوسع على الإنسان من أصناف المال ليختبره ، أيشكر أم يكفر ، ويضيق عليه ليختبره ، أيصبر أم يضجر ، ويقلق .
بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ
أي لا يعطونه حقه الثابت له في الميراث قال مقاتل : كان قدامة بن مظعون يتيما في حجر أمية بن خلف ، فكان يدفعه عن حقه .
وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ
أي لا يطعمون مسكينا ، ولا يأمرون بإطعامه ، وقرئ ولا يحاضون ومعناه ، ولا يحض بعضهم بعضا على ذلك .
وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ
أي الميراث
أَكْلًا لَمًّا
أي شديدا ، والمعنى أنه يأكل نصيبه ونصيب غيره ، وذلك أنهم كانوا في الجاهلية لا يورثون النساء ، ولا الصبيان ، ويأكلون نصيبهم ، وقيل الآكل اللم الذي يأكل كل شيء يجده لا يسأل أحلال أم حرام ، فيأكل الذي له ولغيره .
وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا
أي كثيرا والمعنى يحبون جمع المال ، ويولعون به ، وبحبه .
كَلَّا
أي لا ينبغي أن يكون الأمر هكذا ، من الحرص على جمع المال وحبه . وقيل معناه لا يفعلون ما أمروا به من إكرام اليتيم وغيره من المسلمين ، ثم أخبر عن تلهّفهم على ما سلف منهم ، وذلك حين لا ينفعهم الندم . فقال تعالى :
إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا
أي دقت وكسرت مرة بعد مرة ، وكسر كل شيء عليها من جبل وبناء وغيره ، حتى لا يبقى على ظهرها شيء .
[ سورة الفجر ( 89 ) : الآيات 22 إلى 28 ]
وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ( 22 ) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى ( 23 ) يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي ( 24 ) فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ ( 25 ) وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ ( 26 )
يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ( 27 ) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً ( 28 )
وَجاءَ رَبُّكَ
اعلم أن هذه الآية من آيات الصفات التي سكت عنها وعن مثلها عامة السلف وبعض الخلف ، فلم يتكلموا فيها وأجروها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تأويل ، وقالوا يلزمنا الإيمان بها وإجراؤها على ظاهرها ، وتأولها بعض المتأخرين ، وغالب المتكلمين فقالوا ثبت بالدليل العقلي ، أن الحركة على اللّه محال ، فلا بد من تأويل الآية . فقيل في تأويلها وجاء أمر ربك بالمحاسبة والجزاء . وقيل جاء أمر ربك وقضاؤه . وقيل وجاء دلائل آيات ربك فجعل مجيئها مجيئا له تفخيما لتلك الآيات .
وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا
أي تنزل ملائكة كل سماء صفا صفا على حدة ، فيصطفون صفا بعد صف ، محدقين بالجن والإنس ، فيكونون سبع