تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 517

مساهمون:

ص٥١٧
قوله :
أَيُّهُمْ أَشَدُّ .
في هذه الآية أقوال كثيرة ، أظهرها عند الجمهور من المعربين ، وهو مذهب سيبويه : أنّ
« أَيُّهُمْ »
موصولة بمعنى الذي ، وأن حركتها حركة بناء ، بنيت عند سيبويه لخروجها عن النظائر ، و
« أَشَدُّ »
خبر مبتدأ مضمر ، والجملة صلة ل
« أَيُّهُمْ »
، و
« أَيُّهُمْ »
وصلتها في محل نصب مفعولا بها بقوله :
« لَنَنْزِعَنَّ »
، ول « أيّ » أحوال أربعة : أحدها : تبنى فيها ، وهي كما في هذه الآية أن تضاف ويحذف صدر صلتها ، ومثله قوله : 3278 -
إذا ما أتيت بني مالك * فسلّم على أيّهم أفضل « 1 »
بضم
« أَيُّهُمْ »
وتفاصيلها مقررة في موضوعات النحو ، وزعم الخليل - رحمه اللّه - أنّ
« أَيُّهُمْ »
هنا مبتدأ ، و
« أَشَدُّ »
خبره ، وهي استفهامية ، والجملة محكية بالقول المقدر ، والتقدير : لننزعن من كل شيعة المقول فيهم أيهم أشد ، وقوى الخليل تخريجه بقول الشاعر : 3279 -
ولقد أبيت من الفتاة بمنزل * فأبيت لا حرج ولا محروم « 2 »
قال : تقديره : قأتيت يقال في لا حرج ولا محروم . وذهب يونس إلى أنها استفهامية مبتدأ ، وما بعدها خبرها كقول الخليل ، إلا أنه زعم أنها معلقة ل « ننزعن » فهي في محل نصب ، لأنه يجوز التعليق في سائر الأفعال ، ولا يخصه بأفعال القلوب كما يخصه بها الجمهور . وقال الزمخشري : ويجوز أن يكون النزع واقعا على
« مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ »
كقوله :
« وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا »
، أي : لننزعن بعض كل شيعة ، فكأنّ قائلا قال : من هم ؟ فقيل : أيّهم أشدّ عتيّا » . فجعل
« أَيُّهُمْ »
موصولة أيضا ، ولكن هي في قوله خبر مبتدأ محذوف ، أي : هم الذين هم أشد . قال الشيخ : « وهذا تكلف ما لا حاجة إليه ، وادعاء إضمار غير محتاج إليه ، وجعل ما ظاهره أنه جملة واحدة جملتين » . وحكى أبو البقاء عن الأخفش ، والكسائي أنه مفعول
« لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ »
، و
« مِنْ »
مزيدة ، قال : « وهما يجيزان زيادة
« مِنْ
» و
« أَيُّهُمْ »
استفهام ، أي : لننزعن عن كل شيعة ، وهذا يخالف في المعنى تخريج الجمهور ، فإنّ تخريجهم يؤدي إلى التبعيض ، وهذا يؤدي إلى العموم ، إلّا أن يجعل
« مِنْ »
لابتداء الغاية ، لا للتبعيض ، فيتفق التخريجان . وذهب الكسائي إلى أنّ معنى
« لَنَنْزِعَنَّ »
لننادين فعومل معاملته ، فلم يعمل في « أيّ » . قال المهدوي : « ونادى يعلق إذا كان بعده جملة نصبت فتعمل في المعنى ولا تعمل في اللفظ . وقال المبرد : أيّهم متعلق ب
« شِيعَةٍ »
فلذلك ارتفع ، والمعنى : من الذين تشايعوا أيهم أشد . « كأنهم يتبادرون إلى هذا ، ويلزمه أن يقدر مفعولا ل
« لَنَنْزِعَنَّ »
محذوفا ، وقدّر بعضهم في قول المبرد من الذين تعاونوا فنظروا أيهم أشد ولعل وجه الرفع حينئذ أن نظروا بمعنى فكّروا ، وقد علّق عن العمل لفظا لكونه من أفعال القلوب فتأمل . قال النحاس : وهذا قول حسن ، وقد حكى الكسائي تشايعوا بمعنى تعاونوا . قلت : وفي هذه العبارة المنسوبة للمبرد قلق ، ولا يبين الناقل عنه وجه الرفع على ماذا يكون . وبينه أبو البقاء لكن جعل
« أَيُّهُمْ »
فاعلا لما تضمنته
« شِيعَةٍ »
من معنى الفعل ، قال : « التقدير : لننزعن من كل فريق يشيع أيهم ، وهي على هذا بمعنى الذي » . ونقل عن الكوفيين أنّ
« أَيُّهُمْ »
في الآية
هامش
( 1 ) تقدم . ( 2 ) البيت للأخطل انظر ديوانه ، وهو من شواهد الكتاب ( 2 / 84 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 3 / 147 ) ، الإنصاف ( 2 / 710 ) ، أمالي ابن الشجري ( 1 / 80 ) ، الخزانة ( 6 / 139 ) ، شرح ديوان الحماسة ( 1 / 80 ) ، البحر المحيط ( 6 / 208 ) ، روح المعاني ( 16 / 120 ) .