ومثله قوله تعالى :
مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ
« 1 » . أي : بين يديه . وقوله :
غَصْباً
فيه أوجه :
أحدها : أنه مصدر في موضع الحال ، أو منصوب على المصدر المبين لنوع الأخذ ، أو منصوب على المفعول له . وهو بعيد على المعنى ، وادعى الزمخشري أنّ في الكلام تقديما وتأخيرا ، فقال : « فإن قلت : قوله :
« فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها »
مسبب عن خوف الغضب عليها ، فكان حقه أن يتأخر عن السبب ، فلم قدّم عليه ؟ قلت : النية به التأخير ، وإنما قدّم للعناية به ، ولأنّ خوف الغضب ليس هو السبب وحده ، ولكن مع كونها للمساكين ، فكان بمنزلة قولك :
« زيد ظنّي مقيم » .
قوله :
فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ .
التثنية للتغليب ، يريد : أباه وأمه ، فغلّب المذكّر ، وهو سائغ ، ومثله : القمران والعمران ، وقد تقدم في يوسف ، أنّ الأبوين يراد بهما الأب والخالة ، فهذا أقرب . والعامة على
« مُؤْمِنَيْنِ »
بالياء ، وأبو سعيد الخدري ، والجحدري : « مؤمنان » بالألف ، وفيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنّه على لغة بني الحرث وغيرهم .
والثاني : أنّ في « كان » ضمير الشأن ، و « أبواه مؤمنان » مبتدأ وخبر في محل النصب ، كقوله :
3223 -
إذا متّ كان النّاس صنفان : شامت * . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . « 2 »
فهذا أيضا محتمل للوجهين .
الثالث : أن في « كان » ضمير الغلام ، أي : فكان الغلام ، والجملة بعده الخبر . وهو أحسن الوجوه .
قوله :
أَنْ يُبْدِلَهُما :
قرأ نافع وأبو عمرو بفتح الباء وتشديد الدال من « بدّل » هنا ، وفي التحريم
« أَنْ يُبْدِلَهُ »
، وفي القلم
« أَنْ يُبْدِلَنا »
والباقون بسكون الباء وتخفيف الدال من « أبدل » في المواضع الثلاثة فقيل : هما لغتان بمعنى واحد . وقال ثعلب : الإبدال تنحية جوهرة ، واستئناف أخرى . وأنشد :
3224 -
غزل الأمير للأمير المبدل « 3 »
قال : ألا تراه نحّى جسما ، وجعل مكانه آخر . والتبديل : تغيير الصورة إلى غيرها ، والجوهرة باقية بعينها .
واحتجّ الفراء بقوله تعالى :
يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ .
قال : والذي قال ثعلب حسن ، إلّا أنهم يجعلون :
أبدلت معنى بدّلت . قلت : ومن ثمّ اختلف الناس في قوله تعالى :
يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ
« 4 » . هل يتغير الجسم والصفة ، أو الصفة دون الجسم ؟ قوله :
رُحْماً
قرأ ابن عامر « رحما » بضمتين ، والباقون بضمة وسكون ، وهما بمعنى الرحمة ، قال رؤبة :
3225 -
يا منزل الرّحم على إدريسا * ومنزل اللّعن على إبليسا « 5 »
هامش
( 1 ) سورة إبراهيم آية ، ( 16 ) .
( 2 ) تقدم .
( 3 ) تقدم .
( 4 ) سورة إبراهيم آية ، ( 48 ) .
( 5 ) انظر البحر المحيط ( 6 / 155 ) ، روح المعاني ( 16 / 12 ) .