3048 -
غمر الرّداء إذا تبسّم ضاحكا * غلقت لضحكته رقاب المال
استعار الرداء للمعروف ، لأنه يصون عرض صاحبه ، صون الرداء لما يلقى عليه ، ووصفه بالغمر الذي هو وصف المعروف والنوال ، لا وصف الرداء نظرا إلى المستعار له .
والثاني : أن ينظر فيه إلى المستعار ، كقوله :
3049 -
ينازعني ردائي عبد عمرو * رويدك يا أخا عمرو بن بكر « 1 »
لي الشّطر الّذي ملكت يميني * ودونك فاعتجر منه بشطر
أراد بردائه سيفه ، ثم قال : فاعتجر منه بشطر . فنظر إلى المستعار في لفظ الاعتجار ، ولو نظر إليه فيما نحن فيه لقال : فكساهم لباس الجوع ، ولقال كثير : صافي الرداء إذا تبسم انتهى . وهذا نهاية ما يقال في الاستعارة . وقال ابن عطية : « لما باشرهم ذلك وصار كاللباس » ، وهذا كقول الأعشى :
3050 -
إذا ما الضّجيح ثنى جيدها * تمنّت عليه فكانت لباسا « 2 »
ومثله قوله تعالى :
هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ
« 3 » ، ومثله قول الشاعر :
3051 -
ولقد لبست بعد الزّبير مجاشع * ثياب الّتي حاضت ولم تغسل الدّما « 4 »
كأن العار لما باشرهم ولصق بهم كأنهم لبسوه . وقوله : « أذاقها » نظير قوله تعالى :
ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ
« 5 » ونظير قول الشاعر :
3052 -
دونك ما جنيته فأحسّ وذق « 6 » * . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي قراءة عبد اللّه : « فأذاقها اللّه الخوف والجوع » ، وفي مصحف أبي : « لباس الخوف والجوع » . وقوله :
« بِأَنْعُمِ اللَّهِ »
أتى بجمع القلة ، ولم يقل : بنعم اللّه ، جمع كثرة ، تنبيها بالأدنى على الأعلى ، لأن العذاب إذا كان على كفران الشيء القليل ، فكونه على النعم الكثيرة أولى . و « أنعم » فيها قولان ، أحدهما : أنها جمع نعمة ، نحو : شدّة وأشدّ . قال الزمخشري : « جمع نعمة ، على ترك الاعتداد بالتاء ، ك « درع وأدرع » . وقال قطرب ، هي جمع نعم ، والنّعم : النّعيم ، يقال : هذه أيام طعم ونعم فلا تصوموا . قوله :
« بِما كانُوا »
يجوز أن تكون مصدرية ، أو بمعنى الذي ، والعائد محذوف ، أي : بسبب صنعهم ، أو بسبب الذي كانوا يصنعونه ، والواو في
« يَصْنَعُونَ »
عائدة على « أهل » المقدر قبل
« قَرْيَةً »
، وهي نظير قوله :
أَوْ هُمْ قائِلُونَ ،
بعد قوله :
وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها
« 7 » .
قوله :
. . . وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ . . . .
صرّح هنا بالنعمة لتقدم ذكرها مع من كفر بها ، ولم يجئ ذلك في البقرة .
هامش
( 1 ) انظر البيتين في البحر المحيط ( 5 / 543 ) ، معاهد التنصيص ( 2 / 150 ) .
( 2 ) تقدم .
( 3 ) سورة البقرة آية ، ( 187 ) .
( 4 ) البيت من شواهد البحر المحيط ( 5 / 543 ) .
( 5 ) سورة الدخان آية ، ( 49 ) .
( 6 ) البيت من شواهد البحر المحيط ( 5 / 543 ) .
( 7 ) سورة أعراف آية ، ( 4 ) .