« فإن قلت : إنما جمعوا بين العدد والمعدود ، فيما وراء الواحد والاثنين ، فقالوا : عندي رجال ثلاثة ، وأفراس أربعة ، لأن المعدود عار عن الدلالة على العدد الخاص . فأما رجل ورجلان ، وفرس وفرسان ، فمعدودان فيهما دلالة على العدد ، فلا حاجة إلى أن يقال : رجل واحد ، ورجلان اثنان ، فما وجه قوله تعالى :
« إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ »
؟ قلت :
الاسم الحامل لمعنى الإفراد والتثنية دال على شيئين : على الجنسية ، والعدد المخصوص ، فإذا أريدت الدلالة على أن المعنى به منهما ، والذي يساق إليه الحديث هو العدد لشفع بما يؤكده العدد ، فدل به على القصد إليه ، والعناية به ، ألا ترى أنك لو قلت : إله ، ولم تؤكده بواحد ، لم يحسن ، وخيل أنك تثبت الإلهية لا الوحدانية » .
وقال الشيخ : « لما كان الاسم الموضوع للإفراد والتثنية ، قد يتجوز به ، فيراد به الجنس ، نحو « نعم الرّجل زيد ، ونعم الرّجلان الزيدان » ، وقول الشاعر :
3005 -
فإنّ النّار بالعودين تذكى * وإنّ الحرب أوّلها الكلام « 1 »
أكد الموضوع لهما بالوصف ، فقيل : إلهين اثنين ، وقيل : إله واحد .
قوله :
« فَإِيَّايَ »
منصوب مقدر بعده يفسره هذا الظاهر ، أي : إيّاي ارهبوا فارهبون ، وقدّره ابن عطية : ارهبوا إياي فارهبون .
قال الشيخ « 2 » : « وهو ذهول عن القاعدة النحوية ، وهي أن المفعول إذا كان ضميرا متصلا ، والفعل متعد لواحد ، وجب تأخير الفعل ، نحو :
« إِيَّاكَ نَعْبُدُ »
، ولا يجوز أن يتقدم إلّا في الضرورة كقوله :
3006 -
إليك حتّى بلغت إيّاكا « 3 »
وهذا قد مر تقريره أول البقرة . وقد يجاب عن ابن عطية بأنه لا يقبح في الأمور التقديرية ما يقبح في اللفظية .
وفي قوله :
« فَإِيَّايَ »
التفات من غيبة ، وهي قوله : « وقال اللّه إلى تكلّم » وهو قوله :
« فَإِيَّايَ »
، ثم التفت إلى الغيبة أيضا في قوله :
« وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ »
.
قوله :
« واصِباً »
حال من
« الدِّينُ »
العامل فيها الاستقرار المتضمن الجار الواقع خبرا . والواصب : الدائم ، قال حسان :
3007 -
غيّرته الرّيح تسفي به * وهزيم رعده واصب « 4 »
وقال أبو الأسود :
3008 -
لا أبتغي الحمد القليل بقاؤه * يوما بذم الدّهر أجمع واصبا « 5 »
والوصيب : العليل لمداومة السّقم له ، وقيل : من الوصب ، وهو التّعب ، ويكون حينئذ - على النسب ، أي :
ذا وصب لأن الدّين فيه تكاليف ومشاق على العباد ، فهو كقوله :
هامش
( 1 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 501 ) ، روح المعاني ( 14 / 162 ) .
( 2 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 501 ) .
( 3 ) تقدم .
( 4 ) البيت في ديوانه ، الطبري ( 14 / 118 ) ، البحر المحيط ( 5 / 500 ) .
( 5 ) انظر تفسير الطبري ( 14 / 74 ) ، مجاز القرآن ( 3611 ) ، البحر المصدر السابق روح المعاني ( 14 / 164 ) .