في موضع نصب هذا قول المفسرين ، وهو عندي غير صحيح لأن
« كَما أَنْزَلْنا »
ليس مما يقوله محمد - صلّى اللّه عليه وسلّم - بل هو من كلام اللّه تعالى ، فينفصل الكلام ، وإنما يترتب هذا القول بأن اللّه تعالى قال له : أنذر عذابا كما . والذي أقول في هذا أن المعنى : وقل إني أنا النذير المبين ، كما قال قبلك رسلنا ، وأنزلنا عليهم كما أنزلنا عليك ، ويحتمل أن يكون المعنى : وقل إني أنا النذير المبين ، كما قد أنزلنا في الكتب أنك ستأتي نذيرا على أن المقتسمين أهل الكتاب » . وقد اعتذر بعضهم « 1 » عما قاله أبو محمد بن عطية ، فقال : الكاف متعلقة بمحذوف دل عليه المعنى تقديره : أنا النذير بعذاب مثل ما أنزلنا وإن كان المنزل اللّه ، كما يقول بعض خواص الملك : أمرنا بكذا ، وإن كان الملك هو الآمر ، وأما قول أبي محمد : وأنزلنا عليهم كما أنزلنا عليك . كلام غير منتظم ، ولعل أصله : وأنزلنا عليك ، كما أنزلنا عليهم ، وكذا أصلحه الشيخ « 2 » . وفيه نظر ، كيف يقدر ذلك والقرآن ناطق بخلافه ، وهو قوله :
« عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ »
.
التاسع : أنه متعلق بقوله :
« لَنَسْئَلَنَّهُمْ »
تقديره : لنسألنهم أجمعين ، مثل ما أنزلنا .
العاشر : أن الكاف مزيدة ، تقديره : أنا النذير المبين ما أنزلناه على المقتسمين ، ولا بد من تأويل ذلك على أن « ما » مفعول ب
« النَّذِيرُ »
عند الكوفيين ، فإنهم يعملون الوصف الموصوف ، أو على إضمار فعل لائق ، أي : أنذركم ما أنزلنا ، كما يليق بمذهب البصريين .
الحادي عشر : أنه متعلق ب
« قُلْ »
، التقدير : وقل قولا ، كما أنزلنا على المقتسمين إنك نذير لهم ، فالقول للمؤمنين في النذارة كالقول للكفار والمقتسمين ، لئلا تظن أنّ انذارك للكفار مخالف لإنذار المؤمنين ، بل أنت في وصف النذارة لهم بمنزلة واحدة تنذر المؤمن ، كما تنذر الكافر ، كأنه قال : أنا النذير المبين لكم ولغيركم .
[ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 91 إلى 99 ]
الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ( 91 ) فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 92 ) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ ( 93 ) فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ( 94 ) إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ( 95 )
الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ( 96 ) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ ( 97 ) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ( 98 ) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ( 99 )
قوله :
الَّذِينَ جَعَلُوا . . .
فيه أوجه :
أظهرها : أنه نعت للمقتسمين .
الثاني : أنه بدل منه .
الثالث : أنه بيان له .
الرابع : أنه منصوب على الذم .
الخامس : أنه خبر مبتدأ مضمر .
هامش
( 1 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 469 ) .
( 2 ) انظر المصادر السابقة .