قوله :
وَجَعَلُوا .
يجوز أن يكون استئنافا ، وهو الظاهر ، جيء به للدلالة على الخبر المحذوف كما تقدم تقريره . وقال الزمخشري : « ويجوز أن تقدر ما يقع خبرا للمبتدأ ويعطف عليه
« وَجَعَلُوا »
وتمثيله : أفمن هو بهذه الصفة لم يوجدوه
« وَجَعَلُوا »
له وهو اللّه الذي يستحق العبادة
« شُرَكاءَ »
.
قال الشيخ « 1 » : « وفي هذا التوجيه إقامة الظاهر مقام المضمر في قوله :
« وَجَعَلُوا لِلَّهِ »
أي له . وفيه حذف الخبر غير المقابل ، وأكثر ما جاء هذا الخبر مقابلا » . وقيل : الواو للحال ، والتقدير : أفمن هو قائم على نفس موجود والحال أنهم جعلوا له شركاء ، فأقيم الظاهر ، وهو اللّه مقام المضمر تقريرا للألوهية وتصريحا لها .
وقال ابن عطية : « ويظهر أن القول مرتبط بقوله :
« وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ »
كأن التقدير : أفمن له القدرة الوحدانية ، ويجعل له شريك ، أهل أن ينتقم ويعاقب أم لا ؟ ! ! ! » . وقيل :
« وَجَعَلُوا »
عطف على
« اسْتُهْزِئَ »
بمعنى : ولقد استهزؤا وجعلوا . وقال أبو البقاء : وهو معطوف على
« كَسَبَتْ »
، أي : « ويجعلهم اللّه شركاء » . قوله :
« أَمْ تُنَبِّئُونَهُ »
أم : هذه منقطعة مقدرة ب
« بَلْ »
والهمزة والاستفهام للتوبيخ ، بل أتنبئونه شركاء لا يعلمهم في الأرض .
ونحوه :
قُلْ أَ تُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ
فجعل الفاعل ضميرا عائدا ، على اللّه والعائد « ما » محذوف ، تقديره : بما لا يعلمه اللّه وقد تقدم في تلك الآية أن الفاعل ضمير يعود على « ما » ، وهو جائز هنا أيضا . قوله :
« أَمْ بِظاهِرٍ »
الظاهر أنها منقطعة ، والظاهر - هنا - قيل : الباطل ، وأنشدوا :
2887 -
أعيّرتنا ألبانها ولحومها * وذلك عار يا بن ريطة ظاهر « 2 »
أي : باطل وفسره مجاهد ب « كذب » وهو موافق لهذا ، وقيل : ( أم ) متصلة ، أي : أتنبئونه بظاهر لا حقيقة له . قوله :
وَصُدُّوا
قرأ الكوفيون « وصدّوا » مبنيا للمفعول ، وفي غافر :
وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ
كذلك ، وباقي السبعة مبنيين للفاعل ، و « صدّ » جاء لازما ومتعديا ، فقراءة الكوفة من التعدي فقط ، وقراءة الباقين تحتمل أن تكون من المتعدي ، ومفعوله محذوف ، أي : صدوا غيرهم ، أو أنفسهم ، وأن يكون من اللازم ، أي : أعرضوا وتولوا .
وقرأ ابن وثاب « وصدّوا » - « وصدّ عن السّبيل » بكسر الصاد ، وهو مبني للمفعول ، أجراه مجرى : قيل وبيع ، فهو كقراءة :
« رُدَّتْ إِلَيْنا »
.
2888 -
وما حلّ من جهل حبى حلمائنا * . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . « 3 »
وقد تقدم .
قوله :
مَثَلُ الْجَنَّةِ .
مبتدأ وخبره محذوف ، وتقديره : فيما قصصنا ، أو فيما يتلى عليكم مثل الجنة ، وعلى هذا فقوله :
تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ
تفسير لذلك المثل . وقال أبو البقاء : فعلى هذا
« تَجْرِي »
حال من العائد المحذوف في
« وُعِدَ »
، أي : وعدها مقدرا جريان أنهارها - ثم نقل عن الفراء أنه جعل الخبر قوله
« تَجْرِي »
- قال : « وهذا خطأ عند البصريين . قال : لأنّ المثل لا تجري من تحته الأنهار ، وإنّما هو من صفات المضاف إليه ، وشبهته أن المثل هنا
هامش
( 1 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 394 ) .
( 2 ) البيت في تفسير البحر ( 5 / 395 ) ، والقرطبي ( 9 / 323 ) ، وروح المعاني ( 13 / 161 ) .
( 3 ) تقدم .