تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 432

مساهمون:

ص٤٣٢
الثاني على كلتا القراءتين محذوف ، لأن الفعل قبل النقل بالهمزة ، أو بالتضعيف متعدّ لواحد ، نحو : رهبتك ، والتقدير : ترهبون عدوّ اللّه قتالكم ، أو لقاءكم . وزعم أبو حاتم أن أبا عمرو نقل قراءة الحسن بياء الغيبة وتخفيف « يرهبون » ، وهي قراءة واضحة ، فإن الضمير حينئذ يرجع إلى من يرجع إليهم ضمير
« لَهُمْ »
، فإنهم إذا خافوا خوّفوا من وراءهم . وقرأ الحسن ، وأبو حيوة ، ومالك بن دينار « ومن ربط » بضمتين . وعن الحسن أيضا « ربط » بضم وسكون ، ذلك نحو : « كتاب وكتب » . قال ابن عطية : « وفي جمعه ، وهو مصدر غير مختلف نظر » . قلت : لا نسلم ، والحالة هذه أنه مصدر ، بل حكى أبو زيد أن « رباطا » : الخمس من الخيل فما فوقها ، وأن جمعها « ربط » . ولو سلم أنه مصدر فلا نسلم أنه لم يختلف أنواعه ، وقد تقدم أن « رباطا » يجوز أن يكون جمعا ل « ربط » المصدر ، فما كان جوابا هناك ، فهو جواب هنا . قوله :
عَدُوَّ اللَّهِ
العامة قرؤه بالإضافة ، وقرأه السّلميّ منونا ، و « للّه » بلام الجر ، وهو مفرد ، والمراد به الجنس ، فمعناه : أعداء للّه . قال صاحب اللوامح : « وإنما جعله نكرة بمعنى العامة ، لأنها نكرة أيضا لم تتعرف بالإضافة إلى المعرفة ، لأنه اسم الفاعل بمعنى الحال ، أو الاستقبال ، ولا يتعرف ذلك ، وإن أضيف إلى المعارف . وأمّا
« وَعَدُوَّكُمْ »
فيجوز أن يكون كذلك نكرة ، ويجوز أن يتعرف ، لأنه قد أعيد ذكره ، ومثله : رأيت صاحبا لكم ، فقال لي صاحبكم » . يعني أن « عدوّا » يجوز أن يلمح فيه الوصف يتعرف ، وألّا يلمح فيتعرف . قوله :
وَآخَرِينَ
نسق على
« عَدُوَّ اللَّهِ »
. و
« مِنْ دُونِهِمْ »
صفة ل
« آخَرِينَ »
. قال ابن عطية :
« مِنْ دُونِهِمْ »
بمنزلة قولك : دون أن تكون هؤلاء . ف « دون » في كلام العرب ، ومن دون تقتضي عدم المذكور بعدها من النازلة التي فيها القول ، ومنه المثل :
2456 - . . . * وأمرّ دون عبيدة الوذم « 1 »
يعني أن الظرفية هنا مجازية ، لأن « دون » لا بدّ أن تكون ظرفا حقيقة ، أو مجازا . قوله :
لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ
في هذه الآية قولان : أحدهما : أن « علم » هنا متعدية لواحد ، لأنها بمعنى « عرف » ، ولذلك تعدّت لواحد . والثاني : أنها على بابها ، فتتعدى لاثنين ، والثاني محذوف ، أي : لا تعلمونهم فازعين ، أو محاربين . ولا بدّ هنا من التنبيه على شيء ، وهو أن هذين القولين لا يجوز أن يكونا في قوله :
« اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ »
بل يجب أن يقال : إنها المتعدية إلى اثنين ، وأن ثانيهما محذوف ، لما تقدم لك من الفرق بين العلم والمعرفة ، منها أن المعرفة تستدعي سبق جهل ، ومنها أن متعلقها الذوات دون النسب . وقد نص العلماء على أنه لا يجوز أن يطلق ذلك ، أعني الوصف بالمعرفة على اللّه تعالى .

[ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 61 إلى 64 ]

وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 61 ) وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ ( 62 ) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 63 ) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 64 )
هامش
( 1 ) عجز بيت لطرفة بن العبد وصدره :ولقد هممت بذاك إذ حبست * . . .انظر ديوانه ( 125 ) ، البحر المحيط ( 4 / 513 ) .
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 432 | أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي ) / علي محمد معوض / عادل أحمد عبد الموجود / جاد مخلوف جاد / زكريا عبد المجيد النوتي / أحمد محمد صيرة