وطوافا . وأضاف : استدار القوم من نواحيهم . وطاف الخيال : ألمّ ، يطيف طيفا » . فقد فرق أبو زيد بين ذي الواو ، وذي الياء ، فخصص كلّ مادة بمعنى ، وفرق أيضا بين « فعل ، وأفعل » ، كما رأيت . وزعم السّهيليّ أنه لا يستعمل من « طاف الخيال » اسم فاعل ، قال : « لأنه تخيّل ، لا حقيقة له » . قال : « فأما قوله تعالى :
فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ
فلا يقال فيه « طيف » لأنه اسم فاعل حقيقة » . وقال حسان :
2391 - جنّيّة أرّقني طيفها * يذهب صبحا ويرى في المنام « 1 »
وقال السّدّي : « الطيف : الجنون ، والطائف : الغضب » . وعن ابن عباس - « رضي اللّه عنهما » : هما بمعنى واحد ، وهو « النّزع » .
قوله :
وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ .
في هذه الآية أوجه :
أحدها : أن الضمير في
« إِخْوانُهُمْ »
يعود على « الشياطين » ، لدلالة لفظ
« الشَّيْطانِ »
عليهم ، أو على
« الشَّيْطانِ »
نفسه ، لأنه لا يراد به الواحد ، بل الجنس . والضمير المنصوب في
« يَمُدُّونَهُمْ »
يعود على « الكفار » ، والمرفوع يعود على « الشياطين » ، أو
« الشَّيْطانِ »
، كما تقدم ، والتقدير : وإخوان الشياطين تمدهم الشياطين ، وعلى هذا الوجه فالخبر جار على غير من هو له في المعنى ، ألا ترى أن ترى أن الإمداد مسند إلى الشياطين في المعنى ، وهو في اللفظ خبر عن
« إِخْوانُهُمْ »
، ومثله :
2392 - قوم إذا الخيل جالوا في كواثبها * . . . « 2 »
وقد تقدم لك في هذا كلام وبحث مع مكي ، وغيره من حيث جريان الفعل على غير من هو له ، ولم يبرز ضمير .
وهذا التأويل الذي ذكرته هو قول الجمهور ، وعليه عامة المفسرين . قال الزمخشري : « هو أوجه ، لأن
« إِخْوانُهُمْ »
في مقابلة
« الَّذِينَ اتَّقَوْا »
.
الثاني : أن المراد بالإخوان : الشياطين ، وبالضمير المضاف إليه : الجاهلون ، أو غير المتقين ، لأن الشيء يدل على مقابله ، والواو تعود على الإخوان ، والضمير المنصوب يعود على الجاهلين ، أو غير المتقين ، « والمعنى :
والشياطين الذين هم إخوان الجاهلين ، أو غير المتقين ، يمدون الجاهلين ، أو غير المتقين » في الغيّ ، والخبر في هذا الوجه جار على من هو له لفظا ومعنى ، وهذا تفسير قتادة .
الثالث : أن يعود الضمير المجرور والمنصوب على الشياطين ، والمرفوع على الإخوان ، وهم الكفار . قال ابن عطية : « ويكون المعنى : وإخوان الشياطين في الغيّ ، بخلاف الإخوة في اللّه تعالى ، يمدون ، أي : بطاعتهم لهم وقبولهم منهم . ولا يترتب هذا التأويل على أن يتعلق
« فِي الغَيِّ »
بالإمداد ، لأن الإنس لا يغرون الشياطين » . قلت :
يعني يكون
« فِي الغَيِّ »
حالا من المبتدأ ، أي : وإخوانهم حال كونهم مستقرين في الغيّ . وفي مجيء الحال من المبتدأ خلاف ، والأحسن أن يتعلق بما تضمنه
« إِخْوانُهُمْ »
من معنى المؤاخاة والأخوة ، وسيأتي فيه بحث للشيخ .
هامش
( 1 ) انظر البيت في ديوانه ( 184 ) ، البحر المحيط ( 4 / 450 ) .
( 2 ) صدر بيت لزياد بن منقذ وعجزه :. . . * فوارس الخيل لا ميل ولا قزمانظر المحتسب ( 1 / 291 ) ، البحر المحيط ( 4 / 451 ) ، الصحاح واللسان « قزم » .