تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 312

مساهمون:

ص٣١٢
قال الزمخشري : « كقوله :
« هذا بَعْلِي شَيْخاً »
في كونه مبتدأ وخبرا وحالا » . يعني أن
« تِلْكَ »
مبتدأ مشارا بها إلى ما بعدها ، و
« الْقُرى »
خبرها ، و
« نَقُصُّ »
حال ، أي : قاصين ، كقوله :
فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً .
قال الزمخشري : « فإن قلت : ما معنى
« تِلْكَ الْقُرى »
حتى يكون كلاما مفيدا ؟ قلت : هو مفيد ، ولكن بالصفة في قولك هو الرجل الكريم » . قلت : يعني أن الحال هنا لازمة ، ليفيد التريب ، كما تلزم الصفة في قولك : هو الرجل الكريم ، ألا ترى أنك لو اقتصرت على هو الرجل لم يكن مفيدا ، ويجوز أن تكون
« الْقُرى »
صفة ل
« تِلْكَ »
، و
« نَقُصُّ »
الخبر ، ويجوز أن يكون
« نَقُصُّ »
خبرا بعد خبر . و
« نَقُصُّ »
يجوز أن يكون على حاله من الاستقبال ، أي : قد قصصنا عليك من أنبائها ، ونحن نقص عليك أيضا بعض أنبائها ، ويجوز أن يكون عبر به عن الماضي ، أي : قد قصصنا عليك من أنبائها ، وأشير بالبعد تنبيها على بعد هلاكها ، وتقادمه على زمن الإخبار ، فهو من الغيب . وفي قوله :
« الْقُرى »
ب « أل » تعظيم ، كقوله تعالى :
ذلِكَ الْكِتابُ ،
وقول الرسول - عليه الصلاة والسّلام - : « أولئك الملا من قريش » « 1 » ، وقول أمية :
2270 - تلك المكارم ، لا قعبان من لبن * شيبا بماء فعادا بعد أبوالا « 2 »
و « من » للتبعيض - كما تقدم - ، لأنه إنما قص عليه السّلام ما فيه عظة وانزجار ، دون غيرهما . قوله :
فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا
الظاهر أن الضمائر كلها عائدة على أهل القرى . وقال يمان بن رئاب : « إن الضميرين الأولين لأهل القرى ، والضمير في
« كَذَّبُوا »
لأسلافهم . « وكذا جوزه ابن عطية أيضا ، أي : فما كان الأبناء ليؤمنوا بما كذّب به الآباء . وقد تقدم الكلام على لام الجحود ، وأن نفي الفعل معها أبلغ . و « ما » موصولة اسمية ، وعائدها محذوف ، لأنه منصوب متصل ، أي : بما كذّبوه . ولا يجوز أن يقدر به وإن كان الموصول مجرورا بالباء أيضا ، لاختلاف المتعلّق . وقال هنا :
« بِما كَذَّبُوا »
فلم يذكر متعلّق التكذيب ، وفي يونس ذكره ، فقال : « بما كذبوا به » ، والفرق أنه لما حذف في قوله :
« وَلكِنْ كَذَّبُوا »
استمر حذفه بعد ذلك ، وأما في يونس فقد أبرزه في قوله :
« فَكَذَّبُوهُ
. . .
كَذَّبُوا بِآياتِنا »
فناسب ذكره موافقة . قال معناه الكرماني . قوله :
« كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ »
أي : مثل ذلك الطبع على قلوب أهل القرى المنتفى عنهم الإيمان يطبع اللّه على قلوب الكفرة الجائين بعدهم . قوله :
لِأَكْثَرِهِمْ .
الظاهر أنه متعلّق بالوجدان ، كقولك : « ما وجدت له مالا » ، أي : ما صادفت له مالا ، ولا لقيته . الثاني : أن يكون حالا من
« عَهْدٍ »
، لأنه في الأصل صفة نكرة ، فلما قدم عليها نصب على الحال ، والأصل : وما وجدنا عهدا لأكثرهم ، وهذا ما لم يذكر أبو البقاء غيره ، وعلى هذين الوجهين ف « وجد » متعدية لواحد ، وهو
« مِنْ عَهْدٍ »
، و
« مِنْ »
مزيدة فيه لوجود الشرطين : الثالث : أنه في محل نصب مفعولا ثانيا ل « وجد » ، إذ هي بمعنى علم ، والمفعول الأول هو
« مِنْ عَهْدٍ »
. وقد يترجح هذا بأن « وجد » الثانية علمية ، لا وجدانية بمعنى الإصابة ، وسيأتي دليل ذلك . فإذا تقرر هذا فينبغي أن تكون الأولى كذلك مطابقة للكلام ، ومناسبة له . ومن يرجح الأول يقول : إن الأولى لمعنى ، والثانية لمعنى آخر . قوله :
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري ( 7 / 202 ) ، كتاب مناقب الأنصار ( 3854 ) . ( 2 ) انظر ديوانه ( 52 ) ، ابن الشجري ( 1 / 170 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 8 / 104 ) .