أظهرها : أنه المصدر المؤول من « أن » وما في حيّزها ، والمفعول محذوف ، والتقدير : أو لم يهد ، أي : يبين ويوضح للوارثين مآلهم وعاقبة أمرهم إصابتنا إيّاهم بذنوبهم لو شئنا ذلك ، فقد سبكنا المصدر من « أن » ، ومن جواب
« لَوْ »
:
الثاني : أن الفاعل هو ضمير اللّه تعالى ، أي : أو لم يبيّن اللّه ، ويؤيده قراءة من قرأ « نهد » بالنون .
الثالث : أنه ضمير عائد على ما يفهم من سياق الكلام ، أي : أو لم يهد ما جرى للأمم السابقة ، كقولهم : « إذا كان غدا فأتني » ، أي : إذا كان ما بيني وبينك ، مما دل عليه السياق ، وعلى هذين الوجهين ف
« أَنْ »
. وما في حيّزها بتأويل مصدر - كما تقدم - في محل المفعول ، والتقدير : أو لم يبيّن ويوضّح اللّه ، أو ما جرى للأمم إصابتنا إيّاهم بذنوبهم لو شئنا ذلك . وقرأ مجاهد « نهد » بنون العظمة ، و
« أَنْ »
مفعول فقط ، و
« أَنْ »
هي المخففة من الثقيلة ، و
« لَوْ »
فاصلة بينها وبين الفعل ، وقد تقدم أن الفصل بها قليل . و
« نَشاءُ »
وإن كان مضارعا لفظا ، فهو ماض معنى ، لأن
« لَوْ »
الامتناعية تخلص المضارع للمضي ، وفي كلام ابن الأنباري خلافه ، فإنه قال في
« وَنَطْبَعُ »
: « هذا فعل مستأنف ومنقطع مما قبله ، لأن قوله :
« أَصَبْناهُمْ »
ماض ، و
« نَطْبَعُ »
مستقبل ، ثم قال : « ويجوز أن يكون معطوفا على « أصبنا » إذا كان بمعنى نصيب والمعنى : لو نشاء نصيبهم ونطبع ، فوضع الماضي موضع المستقبل ، عند وضوح معنى الاستقبال ، كقوله تعالى :
إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ
أي : يجعل ، بدليل قوله :
« وَيَجْعَلْ لَكَ »
.
قلت : فهذا ظاهر قوي في أن
« لَوْ »
هذه لا تخلص المضارع للمضي ، وتنظيره بالآية الأخرى معقول أيضا ، سيأتي تحقيق ذلك عند قوله :
« وَنَطْبَعُ »
. وقال الفراء : « وجاز أن تردّ يفعل على فعل في جواب
« لَوْ »
، كقوله :
« وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ »
.
قوله :
فَنَذَرُ
مردود على
« لَقُضِيَ »
. قلت : وهذا هو قول الجمهور ، ومفعول
« نَشاءُ »
محذوف ، لدلالة جواب
« لَوْ »
عليه ، والتقدير : لو نشاء تعذيبهم أو الانتقام منهم ، وأتى جوابها بغير لام وإن كان مثبتا على أحد الجائزين - وإن كان الأكثر خلافه - كقوله تعالى :
لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً
« 1 » .
قوله :
« وَنَطْبَعُ »
في هذه الجملة أوجه :
أحدها : أنها نسق على
« أَصَبْناهُمْ »
وجاز عطف المضارع على الماضي ، لأنه بمعناه ، وقد تقدم أن
« لَوْ »
تخلص المضارع للمضي .
ولما حكى الشيخ كلام ابن الأنباري المتقدم قال : « فجعل لو » شرطية بمعنى « إن » ، ولم يجعلها التي هي لما كان سيقع لوقوع غيره ، ولذلك جعل « أصبنا » بمعنى نصيب . ومثال وقوع
« لَوْ »
بمعنى « إن » قوله :
2269 - لا يلفك الرّاجيك إلّا مظهرا * خلق الكرام ، ولو تكون عديما « 2 »
وهذا الذي قاله ابن الأنباري ردّه الزمخشريّ من حيث المعنى ، لكن بتقدير أن يكون
« وَنَطْبَعُ »
بمعنى طبعنا ، فيكون قد عطف المضارع على الماضي ، لكونه بمعنى الماضي . وابن الأنباري جعل التأويل في « أصبنا » الذي هو جواب
« لَوْ نَشاءُ »
فجعله بمعنى نصيب ، فتأول المعطوف عليه ، وهو الجواب وردّه إلى المستقبل ، والزمخشري تأول
هامش
( 1 ) سورة الواقعة ، آية ( 70 ) .
( 2 ) تقدم .