تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 247

مساهمون:

ص٢٤٧
لأجله ، كما تقدم ، و « وسوس إليه » : ألقى إليه الوسوسة . و « الوسوسة » : الكلام الخفي المكرر ، ومثله « الوسواس » وهو صوت الحلي ، والوسوسة أيضا : الخطرة الرديئة ، و « وسوس » لا يتعدى إلى مفعول ، بل هو لازم . ويقال : رجل موسوس بكسر الواو ، لا يقال بفتحها ، قاله ابن الأعرابيّ . وقال غيره : يقال : موسوس له ، وموسوس إليه . وقال الليث : الوسوسة : حديث النّفس ، والصوت الخفي من ريح تهزّ قصبا ونحوه ، كالهمس ، قال تعالى :
وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ
« 1 » وقال رؤبة بن العجاج يصف صيّادا :
2177 - وسوس يدعو مخلصا ربّ الفلق * لمّا دنا الصّيد دنا من الوهق « 2 »
أي : لما أراد الصّيد وسوس في نفسه أيخطىء أم يصيب . وقال الأزهري : « وسوس ، ووزوز ، بمعنى واحد » . قوله :
« لِيُبْدِيَ »
في هذه اللام قولان : أظهرهما : أنها لام العلة على أصلها ، لأن قصد الشيطان ذلك . وقال بعضهم : اللام للصيرورة والعاقبة ، وذلك أن الشيطان لم يكن يعلم أنهما يعاقبان بهذه العقوبة الخاصة ، فالمعنى : أن أمرهما آيل إلى ذلك . والجواب أنه يجوز أن يعلم ذلك بطريق من الطرق المتقدمة في قوله :
وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ .
قوله :
« ما وُورِيَ »
:
« ما »
موصولة بمعنى « الذي » ، وهي مفعول
« لِيُبْدِيَ »
، أي : ليظهر الذي ستر . وقرأ الجمهور
« وُورِيَ »
بواوين صريحتين ، وهو ماض مبن للمفعول ، أصله : « وارى » ، ك « ضارب » ، فلما بني للمفعول أبدلت الألف واوا ، ك « ضورب » ، قالوا : والأولى فاء ، والثانية زائدة . وقرأ عبد اللّه « أوري » بإبدال الأولى همزة ، وهو بدل جائز ، لا واجب . وهذه قاعدة كلية ، وهي : أنه إذا اجتمع في أول الكلمة واوان ، وتحركت الثانية ، أو كان لها نظير متحرك وجب إبدال الأولى همزة تخفيفا ، فمثال النوع الأول : أويصل ، وأواصل تصغير واصل وتكسيره ، فإنّ الأصل : وويصل ، وواصل فاجتمع واوان في المثالين ، ثانيتهما متحركة ، فوجب إبدال الأولى همزة . ومثال النوع الثاني : أولى ، فإنّ أصلها : وولى فالثانية ساكنة ، لكنها قد تتحرك في الجمع في قولك : أول ، ك فضلى ، وفضل . فإن لم تتحرك ، ولم تحمل على متحرك ، جاز الإبدال ، كهذه الآية الكريمة ، ومثله : ووطىء وأوطىء . وقرأ يحيى بن وثاب « ورّي » بواو واحدة مضمومة وراء مكسورة ، وكأنه من الثلاثي المتعدي ، ويحتاج إلى نقل أن : ورّيت كذا بمعنى « واريته » . والمواراة : الستر ، ومنه قوله عليه السّلام - لما بلغه موت أبي طالب - لعليّ : « اذهب فواره » « 3 » ، ومنه قول الشاعر :
2178 - على صدى أسود الموارى * في التّرب أمسى وفي الصّفيح « 4 »
وقد تقدم تحقيق هذه المادة « 5 » . والجمهور على قراءة
« سَوْآتِهِما »
بالجمع من غير نقل ولا إدغام . وقرأ مجاهد والحسن « سوّتهما » بالإفراد وإبدال الهمزة واوا ، وإدغام الواو فيها . وقرأ الحسن أيضا ، وأبو جعفر ، وشيبة بن نصاح « سوّاتهما » بالجمع وتشديد الواو ، بالعمل المتقدم . وقرأ أيضا
« سَوْآتِهِما »
بالجمع أيضا ، إلّا أنه نقل حركة الهمزة
هامش
( 1 ) سورة ق ، آية ( 16 ) . ( 2 ) انظر التهذيب ( 13 / 136 ) ، شرح المفضليات ( 3 / 1421 ) ، البحر ( 4 / 265 ) . ( 3 ) أخرجه النسائي ( 1 / 110 ) ، كتاب الطهارة باب الغسل من مواراة المشرك . ( 4 ) لم نعثر عليه . ( 5 ) آية ( 31 ) المائدة .